تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧

فقه الحياة أو الأحكام :

لا يثبت الإنسان غالبا على العهد ، ولا يفي بالوعد ، ولا يستقرّ على حال الاستقامة ، فتراه بطبعه غدارا خائنا ، يلجأ إلى اللّه وقت الشدة والخوف ، وينسى اللّه بعد النجاة ، ويعود إلى ضلالة وجهله . والواجب الذي يمليه العقل والوفاء بالجميل والإخلاص أن يستمر الإنسان على أصل العقيدة الصحيحة والإيمان الحق والعبادة لمن أنعم عليه بجلائل النعم ودقائقها ، لا سيما في أحوال الأزمات والمحن . وهذه حال من الأحوال التي ذكرتها الآية : وهي إذا أخطأتم الطريق وخفتم الهلاك ودعوتم اللّه ، وأقسمتم : لئن أنجانا اللّه من هذه الشدائد ، لنكونن من الطائعين المستقيمين . وهذا توبيخ من اللّه لأولئك المشركين في دعائهم إياه عند الشدائد ، ثم يدعون معه غيره في حالة الرخاء ، كما قال :
ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ
. إنه مثل ضربه اللّه ، بقصد التقريع والتوبيخ لمن تعهد بالإيمان ونبذ الشرك ؛ لأن الحجة إذا قامت بعد المعرفة ، وحب الإخلاص ، والمشركون قد جعلوا بدلا منه وهو الإشراك ، فحسن أن يقرّعوا ويوبخوا على هذا المنهج ، وإن كانوا مشركين قبل النجاة . وفي الآية إيماء إلى أن من أشرك في عبادة اللّه تعالى غيره ، فهو لم يعبده ؛ لأن شرط العبادة الإخلاص ، والتوحيد أساس العبادة . والآية صريحة بأنه إذا شهدت الفطرة السليمة والخلقة الأصلية في وقت المحنة بأنه لا ملجأ إلا إلى اللّه ، ولا تعويل إلا على فضل اللّه ، وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات ؛ إذ لا يقبل عقلا أن يأتي الإنسان بأمور
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 237 | وهبة الزحيلي