تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
بالعباد ، ولولا خوف العذاب يوم القيامة ، لامتلأت الدنيا فسادا وفوضى وإجراما ، ولضجّ العالم ، واختل نظام المجتمع ، فصار التهديد بهذا اليوم من مظاهر الرحمة . ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه لما خلق الخلق ، كتب كتابا عنده فوق العرش : إن رحمتي تغلب غضبي » أي لما أظهر قضاءه ، وأبرزه لمن شاء ، أظهر كتابا في اللوح المحفوظ أو فيما شاءه ، مقتضاه خبر حق ووعد صدق أن رحمته تسبق غضبه وتزيد عليه . وأخص الذين خسروا أنفسهم بإفسادها وتعطيلها استخدام العقل والعلم وعدم اهتدائها بالتذكير ، كما أخصهم بالذم والتوبيخ من بين المجموعين إلى يوم القيامة ؛ وسبب الخسارة : أنهم لا يؤمنون ، أي لا يصدقون بالبعث والمعاد ، ولا يخافون شر ذلك اليوم . هذا هو الواقع ، لكن قوله تعالى جعل عدم إيمانهم مسببا عن خسرانهم أنفسهم ، والأمر على العكس . والجواب كما ذكر الزمخشري : معناه الذين خسروا أنفسهم في علم اللّه لاختيارهم الكفر ، فهم لا يؤمنون . وليس ملك السماوات والأرض مجرد ملك فراغ ، وإنما هو ملك شامل لكل شيء فيهما من ساكن ومتحرك ، الجميع عباده وخلقه وتحت قهره وتصرفه وتدبيره ، لا إله إلا هو . وخص بالذكر ما سكن بالليل والنهار وإن كان داخلا في عموم ما في السماوات والأرض ، للدلالة على تصرفه تعالى بهذه الخفايا . ثم إن كان ما في السماوات والأرض خاضع لرقابة اللّه وتصرفه ، فهو السميع المحيط سمعه بكل دقيق وكبير ، يسمع دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء ، على الصخرة الصماء ، وهو أيضا العليم المحيط علمه بكل ما دقّ وعظم ، والشامل سمعه كل مسموع كأقوال عباده وأصواتهم . والذي وسع علمه كل معلوم كحركات
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 151 | وهبة الزحيلي