تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤

المناسبة :

أشار اللّه تعالى في الآية السابقة إلى أن توبة اللذين أتيا الفاحشة توجب ترك العقوبة والتعنيف وإزالة الإيذاء ، فناسب أن يبين شروط قبول التوبة ووقتها .

التفسير والبيان :

إنما قبول التوبة والمغفرة متحقق على اللّه تفضلا وإحسانا للذين يتورّطون في ارتكاب المعصية ، ويقعون فيها جاهلين لا يقدرون الآثار والنتائج والمخاطر ، ولم يصرّوا على المعصية ؛ لأنهم فعلوها بدافع الهوى والشيطان ، ثم تابوا قبل الغرغرة ولو بعد معاينة الملك يقبض الروح . وليس المقصود بالجهالة عدم العلم بالتحريم ؛ لأن كل مسلم مطالب بتعلم ما هو حرام شرعا ، وإنما المراد تغلب الطيش والسفه على النفس عند ثورة الشهوة أو سورة الغضب . قال مجاهد وغيره : كل من عصى اللّه خطأ أو عمدا فهو جاهل حتى ينزع عن الذنب . وذكر قتادة عن أبي العالية : أنه كان يحدث أن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا يقولون : كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة « 1 » . وقال عبد الرّزاق : أخبر معمر عن قتادة قال : اجتمع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فرأوا أن كل شيء عصي اللّه به فهو جهالة ، عمدا كان أو غيره . بدليل قوله تعالى :
قُلْ : يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
[ الزمر 39 / 53 ] فليس المراد بالجهالة : أن يعمل السوء عالما به . ويؤكد ذلك ما قال تعالى إخبارا عن يوسف عليه السّلام :
أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ
[ يوسف 12 / 33 ] ، وقال تعالى لنوح :
فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ، إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
[ هود 11 / 46 ] .
هامش
( 1 ) رواه ابن جرير .