تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
وإن جاز ادّعاء النبوّة في عيسى ، لكونه مخلوقا من غير أب ، فجواز ادعائها في آدم بالطريق الأولى ، ومعلوم بالاتّفاق أن ذلك باطل ، فدعوى النبوّة في عيسى أشدّ بطلانا . ولكن اللّه تعالى أراد أن يظهر قدرته للناس حين خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى ، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى ، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر ، وخلق بقية البشر من ذكر وأنثى . ولهذا قال تعالى في سورة مريم :
وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ
[ 21 ] ، وقال هنا :
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
. هذا الذي أخبرتك به من شأن عيسى ومريم هو القول الحق ، لا ما اعتقده النصاري في المسيح من أنه إله ، ولا ما زعمه اليهود من رمي مريم بيوسف النّجار . فلا تشكنّ في أمرهما بعد أن جاءك العلم اليقيني به . وهذا النهي يثير في النّبي وأمّته ضرورة الاعتصام باليقين واطمئنان النفس إلى الخبر الإلهي . أي واظب على يقينك وطمأنينة نفسك إلى الحقّ والبعد عن الشّك فيه ، أو أن الخطاب للنّبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمراد أمته ، لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن شاكّا في أمر عيسى عليه السّلام . فمن جادلك في شأن عيسى عليه السّلام بعد معرفة الحقّ واليقين فادعهم إلى المباهلة أي الملاعنة : بأن نتباهل وندعو اللّه أن يلعن الكاذب ويطرده من رحمته . وهذه الآية تسمى آية المباهلة . وقد ثبت أنّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم دعا نصارى نجران للمباهلة ، فأبوا . جاء في سيرة ابن إسحاق : أنه قدم سنة تسع على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفد نصارى نجران ستون راكبا : فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم ، منهم : « العاقب » واسمه عبد المسيح ، وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم ، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه . ومنهم السيّد وهو الأيهم ، وكان عالمهم ، ومنهم أبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل ، وكان أسقفهم . فدخلوا بعد العصر