تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
[ الأنعام 6 / 153 ] وحذر اللّه المؤمنين من التفرق مذاهب شتى في الاعتقاد وأصول الدين ، فقال سبحانه :
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ، وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ، إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ
[ الأنعام 6 / 159 ] . أما الاختلاف في الفهم ، والاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية من النصوص ، والاعتماد على الكتاب والسنة ، فليس معيبا ، وإنما يثاب كل من المجتهدين : المخطئ والمصيب ، ويمكن للدولة أن تختار من بين الآراء الاجتهادية ما يناسب عصرها وزمانها ويحقق مصلحتها التي هي مصلحة الأمة العامة والعليا ، لأن « تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة » أي المصلحة العامة . وهذا الاختلاف في الفهم لا يؤدي إلى تمزيق وحدة الأمة ، ولا يقتضي الشقاق والنزاع الناجم عن الاختلاف في أصول الشرع الإلهي . وقد أوعد اللّه الناس على أمور ثلاث : كتمان الحق ، والمتاجرة في الدين ، والاختلاف الجذري في أصول الدين . أما كتمان الحق : فيؤدي إلى النار والعذاب الدائم وعدم الظفر بالمغفرة ، كما قال اللّه تعالى عن علماء اليهود الذين كتموا ما أنزل اللّه في التوراة من صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وصحة رسالته . وأما المتاجرة في الدين : فتستوجب النار أيضا ، وعجبا لنفر من الناس يتحملون عذاب اللّه الشديد ، فما أشجعهم وما أجرأهم على النار ، إذ يعملون عملا يؤدي إليها . ذلك العذاب المستحق لهم عنوان العدل والحق ، ولم ينزل اللّه هذا القرآن إلا بالحق ، لإقراره ونشره والإذعان له . وأما الاختلاف الجذري في الدين : فإنه يجسّد الفرقة والخلاف ، ويمنع
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 92 | وهبة الزحيلي