تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
من شعائره . وقوله : « ومن تطوع خيرا » يحتمل بالتطوف بهما ، ويحتمل بالزيادة على الفرض من التطوف بهما ، فلم يبق من مستند في هذه المسألة إلا السنة ، وروي فيها آثار مختلفة ، فيرجح بينها بحسب الأصول ، والراجح لدي رأي الجمهور للأحاديث التي استدلوا بها وهي مصرحة بفرضية السعي . وقوله تعالى :
وَمَنْ تَطَوَّعَ
إشارة إلى أن السعي واجب ، فمن تطوع بالزيادة عليه ، فإن اللّه تعالى يشكر ذلك له . وآية كتمان ما أنزل اللّه التي نزلت في أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد كتم اليهود أمر رجم الزناة المحصنين ، ليست خاصة بهم ، وإنما العبرة بعموم اللفظ ، والمراد كل من كتم الحق ، فهي عامة في كل من كتم حكما شرعيا ، أو علما نافعا ، أو رأيا صحيحا خالصا نافعا للأمة ، ويدل عليه ما أخرجه ابن ماجة عن أبي هريرة وعمرو بن العاص عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من سئل عن علم يعلمه ، فكتمه ألجمه اللّه يوم القيامة بلجام من نار » . وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ
[ آل عمران 3 / 187 ] وقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ ، وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا
[ البقرة 2 / 174 ] فهذا ميثاق أخذه اللّه على أهل العلم يتضمن تحريم الكتمان والتحريف ، وفي آيات أخرى تصريح إيجابي وأمر واضح في الحث على بيان العلم ونشره ، وإن لم يذكر الوعيد ، مثل :
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ، وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
[ التوبة 9 / 122 ] . والحاصل : إذا قصد العالم كتمان العلم عصى ، وإذا لم يقصده ، لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه معروف لدى غيره . وأما من سئل فقد وجب عليه التبليغ ، لهذه الآيات والحديث المتقدم .