يزل واقفا حتى أسفر جدا »
أي دخل في الإسفار وهو بياض النهار ، وورد عن ابن عباس أنه نظر إلى الناس وقال : كان الناس في هذه الليلة لا ينامون .
ثمّ بيّن اللّه سبحانه طريقة الذّكر ، فقال : واذكروه كما علّمكم كيفيّة الذّكر ، بأن يكون بتضرع وإخلاص وإنابة قلبية وخشوع وحضور القلب مع اللّه ، وهذا هو الذّكر الحسن ، كما هداكم هداية حسنة ، وإن كنتم من قبل هذا الهدى من الضّالين عن الحق في العقيدة والعمل ، إذ كنتم تعبدون الأوثان والأصنام ، وتتخذونها وسطاء أو شفعاء عند اللّه ، لتقربكم إلى اللّه زلفى .
ثم أمرت الآية قريشا وبعض القبائل بالإفاضة من عرفات ، كما يفيض الناس منها ويقفون عليها ، بعد أن كانوا يقفون في المزدلفة ، ترفعا عن غيرهم .
روى البخاري ومسلم : أن قريشا ومن دان دينهم من كنانة وجديلة وقيس وهم الحمس « 1 » كانوا يقفون في الجاهلية بمزدلفة ، ترفّعا عن الوقوف مع العرب في عرفات .
وتحقيقا لمبدأ المساواة ونبذ الامتيازات في الإسلام أمر اللّه نبيّه بأن يقف مع المسلمين جميعا في عرفات ، وأن يفيضوا منها إبطالا لما كانت عليه قريش .
ولما كانت أعمال الحج كثيرة ، وهي لا تخلو عن تقصير ، أمرهم بالاستغفار ، فاللّه تعالى واسع المغفرة والرحمة لمن يطلب ذلك منه مع التوبة الخالصة .
ثم أبطل اللّه تعالى عادة جاهلية أخرى وهي المفاخرة بأمجاد الآباء حيث إنهم كانوا يقفون بمنى بين المسجد والجبل ، بعد الفراغ من أعمال الحج ، كما بيّنا في سبب النزول ، ويؤكده ما روى ابن عباس : أن العرب كانوا عند الفراغ من حجتهم ، يعدّ الواحد منهم أيام آبائه في السماحة ، والحماسة ، وصلة الرحم ،
هامش
( 1 ) الحمس : مفرده أحمس : وهو الشديد الصلب في الدين والقتال .