تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨

فقه الحياة أو الأحكام :

العبادة التي هي توحيد اللّه والتزام شرائع دينه لا تكون إلا للّه الخالق الرازق ، وملازمة العبادة الخالصة للّه مدعاة لغرس أصول التقوى للّه عز وجل ، فلا يجرأ المتقون على مخالفة الأوامر ، واقتحام المعاصي . وليس المراد بكون الأرض فراشا ، أي وطاء للافتراش والاستقرار عليها ، هو الفراش المعهود المستخدم للنوم ، فمن حلف لا ينام على فراش ، فنام على الأرض ، لا يحنث في رأي الحنفية والشافعية ، لأن اللفظ لا ينصرف إليها عرفا ، والأيمان محمولة على المعتاد المتعارف من الأسماء ، وليس في العادة إطلاق هذا اللفظ على الأرض . وأما المالكية فيحملون الأيمان على النية أو السبب أو بساط الحال التي جرت عليه اليمين ( أي سبب اليمين ) ، فإن عدم ذلك فالعرف ، فإن لم يكن شيء من ذلك فيحمل اليمين على مطلق اللفظ المراد في اللغة . ودلت الآية على توحيد اللّه ، وإثبات الصانع الذي لا يشبهه شيء ، القادر الذي لا يعجزه شيء . ومن مظاهر قدرته رفع السماء ووقوفها بغير عمد نراه ، ودوامها على طول الدهر ، دون تبدل ولا تغير ، كما قال تعالى :
وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً ، وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ
[ الأنبياء 21 / 32 ] وكذلك ثبات الأرض ووقوفها على غير سند بالرغم من تحركها ، ودورانها في الفضاء ، من أعظم الدلالات على التوحيد ، وعلى قدرة خالقها ، وأنه لا يعجزه شيء ، وفي ذلك تنبيه على الاستدلال بها على اللّه وتذكير بالنعمة ، فقد أخرج اللّه من الأرض ألوانا من الثمرات ، وأنواعا من النبات ، طعاما للإنسان ، وعلفا للدواب ، وقد بين اللّه هذا في قوله تعالى :
أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ، فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا ، وَعِنَباً وَقَضْباً ، وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا ، وَحَدائِقَ غُلْباً ، وَفاكِهَةً وَأَبًّا
« 1 »
، مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
[ عبس 80 / 25 - 32 ] .
هامش
( 1 ) القضب : علف رطب للدواب كالبرسيم ، والأب : الكلأ والعشب ، أو هو التبن خاصة .
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 98 | وهبة الزحيلي