تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
بنو إسرائيل أكثر الشعوب حظا في عدد الرسل الذين أرسلوا إليهم ، ومع ذلك كانوا ينسون الإنذارات ، ويحرفون الشرائع ، ويتبعون أهواءهم ، ويعصون رسلهم ، إما بالتكذيب وإما بالقتل . وهذه الآيات تذكير لهم بإعطاء موسى التوراة ، واتباعه بالرسل :
ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا
[ المؤمنون 23 / 44 ] وهم يوشع وداود وسليمان وعزير وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السّلام ، وكانوا كلهم يحكمون بشريعة موسى ، كما قال تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ ، يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا . .
الآية [ المائدة 5 / 44 ] إلا أن عيسى جاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام ، ولهذا أعطاه اللّه من البينات - وهي المعجزات كإحياء الموتى وخلقه من الطين كهيئة الطير ، فينفخ فيها ، فتكون طيرا بإذن اللّه ، وإبراء الأسقام ، وإخباره بالغيوب ، وتأييده بروح القدس وهو جبريل عليه السّلام - ما يدلهم على صدقه فيما جاءهم به ، فاشتد تكذيب بني إسرائيل له ، وحسدهم وعنادهم لمخالفة التوراة في بعض الأحكام ، كما قال تعالى إخبارا عن عيسى :
وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ، وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
[ آل عمران 3 / 50 ] . وكانت النتيجة أنه كلما جاءهم رسول بما لا تميل إليه نفوسهم ، وهي لا تميل إلى الخير دائما ، كفروا به واستكبروا عليه تجبرا وبغيا ، فمنهم من كذبوه كعيسى ومحمد عليهما السّلام ، ومنهم من قتلوه كزكريا ويحيى عليهما السّلام ، فلا غرابة بعدئذ إن لم يؤمنوا بدعوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن العناد من طبعهم . والخطاب لجميع اليهود ، لأنهم فعلوا ذلك في الماضي ورضي عنهم أولادهم . ومن قبائحهم قولهم للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : قلوبنا عليها غشاء ، فلا تعي ما تقوله ، ولا تفقه ما تتكلم به ، فيرد اللّه عليهم : لستم كذلك ، فقلوبكم خلقت مستعدة بالفطرة للنظر الذي يوصل إلى الحق ، لكن اللّه أبعدكم من رحمته ، بسبب كفركم