تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
يبطلها . فضرب اللّه - عزّ وجلّ - مثل لذلك :
كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
يقول : ولا يصدّق بأنّه واحد لا شريك له
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
يقول : ولا يصدّق بالبعث الّذي فيه جزاء الأعمال ، أنّه كائن . فمثله يعني مثل الّذي يمنّ بصدقته كمثل مشرك أنفق ماله في غير إيمان ، فأبطل شركه الصدقة ، ما أبطل المنّ والأذى صدقة المؤمن . ثمّ أخبر عمّن منّ بها على صاحبه فلم يعط عليها أجرا ولا ثوابا ، ثمّ ضرب اللّه - عزّ وجلّ - لهما مثلا فقال في مثله :
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ
يعني الصفا
عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ
يعني المطر الشديد
فَتَرَكَهُ صَلْداً
يقول : ترك المطر الصفا صلدا نقيّا أجرد ليس عليه تراب ، فكذلك المشرك الّذي ينفق في غير إيمان ، وينفق رئاء الناس ، وكذلك صدقة المؤمن إذا منّ بها . وذلك قوله - سبحانه - :
لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا
يقول : لا يقدرون على ثواب شيء ممّا أنفقوا يوم القيامة ، وذلك قوله - عزّ وجلّ - :
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى
ثواب
شَيْءٍ
« 1 » يوم القيامة كما لم يبق على الصفا شيء من التراب حين أصابه المطر الشديد
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ
« 2 » . وعليه ، فيكون مثل إنفاق المرائي مثل ذلك الغشاء الرقيق من الغبار يعلو حجرا أملس لفترة جدّ قصيرة ، ويزول من فوره على أثر هبوب ريح عاصفة أو هطول مطر غزير .
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
« 3 » . قوله تعالى :
لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا
أي لا يستحصلون من آثار أعمالهم الحسنة - في ظاهرها - شيئا يعود عليهم بمنافع . إذ لا حصاد إذا كان الزارع قد أفسد زرعه . وكذلك المرائي قد أحبط عمله . نعم من كان رائده الشيطان فإنّه سيهديهم إلى سراب يحسبه الظمآن ماء .
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ،
وهذا قد كفر بأنعم للّه وأعرض عن ذكره ومن ثمّ خذله اللّه وتركه ونفسه ، فكان طعمة للطاغوت
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ
« 4 » .
هامش
( 1 ) إبراهيم 14 : 18 . ( 2 ) تفسير مقاتل 1 : 220 - 221 . ( 3 ) الفرقان 25 : 23 . ( 4 ) البقرة 2 : 257 .