تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
معانقة الرجل الرجل إذا هو لقيه ؟ قال : « كانت تحيّة الأمم . وفي لفظ : كانت تحيّة أهل الإيمان وخالص ودّهم ، وإنّ أوّل من عانق خليل الرحمان ، فإنّه خرج يوما يرتاد لماشيته في جبل من جبال بيت المقدس ، إذ سمع صوت مقدّس يقدّس اللّه تعالى ، فذهل عمّا كان يطلب ، فقصد قصد الصوت ، فإذا هو بشيخ طوله ثمانية عشر ذراعا أهلب « 1 » يوحّد اللّه - عزّ وجلّ - فقال له إبراهيم : يا شيخ من ربّك ؟ قال : الذي في السماء ! قال : من ربّ الأرض ؟ قال : الذي في السماء ! قال : فيها ربّ غيره ؟ ! قال : ما فيها ربّ غيره ، لا إله إلّا هو وحده . قال إبراهيم : فأين قبلتك ؟ قال : إلى الكعبة ! فسأله عن طعامه فقال : أجمع من هذه الثمرة في الصيف فآكله في الشتاء ! قال : هل بقي معك أحد من قومك ؟ قال : لا . قال : أين منزلك ؟ قال : تلك المغارة . قال : اعبر بنا إلى بيتك . قال : بيني وبينها واد لا يخاض . قال : فكيف تعبره ؟ فقال : أمشي عليه ذاهبا وأمشي عليه عائدا . قال : انطلق بنا فلعلّ الذي ذلّله لك يذلّله لي ! فانطلقا حتّى انتهيا ، فمشيا جميعا عليه ، كلّ واحد منهما يعجب من صاحبه ، فلمّا دخلا المغارة فإذا بقبلته قبلة إبراهيم ! قال له إبراهيم : أيّ يوم خلق اللّه أشدّ ؟ قال الشيخ : ذلك اليوم الذي يضع كرسيّه للحساب ؛ يوم تسعّر جهنّم لا يبقى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلّا خرّ يهمّه نفسه . قال له إبراهيم : ادع اللّه يا شيخ أن يؤمّنّي وإيّاك من هول ذلك اليوم ! قال الشيخ : وما تصنع بدعائي ولي في السماء دعوة محبوسة منذ ثلاث سنين ؟ قال إبراهيم : ألا أخبرك ما حبس دعاءك ؟ قال : بلى ! قال : إنّ اللّه - عزّ وجلّ - إذا أحبّ عبدا احتبس مسألته ، يحبّ صوته ، ثمّ جعل له على كلّ مسألة ذخرا لا يخطر على قلب بشر ، وإذا أبغض اللّه عبدا عجّل له حاجته أو ألقى الأياس في صدره ليقبض صوته ، فما دعوتك التي هي في السماء محبوسة ؟ قال : مرّ بي هاهنا شابّ في رأسه ذؤابة منذ ثلاث سنين ومعه غنم ، قلت : لمن هذه ؟ قال : لخليل اللّه إبراهيم . قلت : اللهمّ إن كان لك في الأرض خليل فأرنيه قبل خروجي من الدنيا ! قال له إبراهيم عليه السّلام : قد أجيبت دعوتك ، ثمّ اعتنقا ؛ فيومئذ كان أصل المعانقة ، وكان قبل ذلك السجود ، هذا
هامش
( 1 ) كثير الشعر .
التفسير الأثري الجامع — صفحة 49 | الشيخ محمد هادي معرفة