تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
وكلّها شرك ، خفيّ أو ظاهر ، إذا ذكرت إلى جنب اسم اللّه ، وإذا أشركها المرء في قلبه مع حبّ اللّه ، فكيف إذا نزع حبّ اللّه من قلبه وأفرد هذه الأنداد بالحبّ الّذي لا يكون إلّا للّه . نعم ، إنّ المؤمنين لا يحبّون شيئا حبّهم للّه ، لا أنفسهم ولا سواهم ، لا أشخاصا ولا اعتبارات ولا شارات ، ولا قيما من قيم هذه الأرض الّتي يجري وراءها غوغاء الناس :
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ
حيث نشأته من صميم الوجود ، وعن تعمّق في التفكير الصحيح ، وليس عن تقليد أعمى ، لا أساس له ولا جذور . والتعبير هنا بالحبّ تعبير جدّ جميل ، فوق أنّه تعبير صادق . فإنّ الصلة بين المؤمن وبين اللّه هي صلة الحبّ ، صلة الوشيحة القلبيّة ، والتجاذب الروحي العميق . ألا وهي صلة الوجدان المشدود بعاطفة الحبّ والولاء الوثيق . * * * هذا من جانب ، وأمّا جانب أولئك الّذين حادوا عن الطريقة المثلى وتاهوا في غياهب الضلالة والردى ، فإنّهم في تفتّت وانهيار وحسرة دائمة .
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
الحقّ وظلموا أنفسهم بالحياد عن الفطرة
إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ
القاهرة
لِلَّهِ جَمِيعاً
لا شركاء ولا أنداد ،
وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ
بالقهر عليهم وإبعادهم عن ساحة رحمته وعن شمول مغفرته . وتلك الفضاحة والّتي تعقبها فضاعة أوجبت تبرّأ الأتباع والمتبوعين لسوء المشهد ووعورة الموقف :
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ
وسقط ما بأيديهم . نعم حينذاك لا خلّة ولا شفاعة ولا إمكان التخلّص بالحيل والمعاذير وغيرها من الأسباب الّتي كانوا يتداولونها قبل ذلك .
وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً
عودة « 1 » إلى الدنيا وإلى عيشة مشابهة لعيشتهم الأولى
فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا !
وبذلك تبدّى الحنق والغيظ من التابعين الأغبياء ، وتمنّوا لو كان بإمكانهم تدارك ما فات ، وهيهات !
كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ .
* * *
هامش
( 1 ) أخرج ابن جرير عن قتادة قال : رجعة إلى الدنيا . الطبري 2 : 101 / 2012 .