تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
قال تعالى :

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 155 إلى 157 ]

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( 155 ) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 156 ) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ( 157 ) وإذ جاء ذكر الشهداء ورفيع منزلتهم عند اللّه كانت المناسبة تستدعي المضيّ في بيان التعبئة لمواجهة الأحداث - وهي متوافرة في هذه الحياة - وفي تقويم التصوّر لحقيقة الأحداث - ولعلّ وراءها مصلحة وحكمة ومن ثمّ فإنّ البلاء موكّل بالأنبياء ثمّ الأمثل فالأمثل « 1 » فلا بدّ من تربية النفوس بالبلاء ، ومن امتحان التصميم على معركة الحقّ بالمخاوف والشدائد ، وبالجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات لا بدّ من هذا البلاء ليؤدّي المؤمنون تكاليف العقيدة ، كي تعزّ على نفوسهم بمقدار ما أدّوا في سبيلها من تكاليف . أمّا العقائد الرخيصة الّتي لا يؤدّي أصحابها تكاليفها لا يعزّ عليهم التخلّي عنها عند الصدمة الأولى . فالتكاليف هنا هي الثمن النفسي الّذي تعزّ به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تعزّ في نفوس الآخرين . نعم ، لا بدّ من البلاء ، ليصلب عود أصحاب العقيدة ويقوى . فالشدائد تستجيش مكنون القوى ومذخور الطاقة ، وتفتح في القلب منافذ ومسارب ما كان ليعلمها المؤمن في نفسه إلّا تحت مطارق الشدائد . والقيم والموازين والتصوّرات ما كانت لتصحّ وتدقّ وتستقيم إلّا في جوّ المحنة الّتي تزيل الغبش عن العيون والران عن القلوب ! وأهمّ من هذا كلّه ، أو القاعدة الأساسيّة لهذا كلّه ، الالتجاء إلى اللّه وحده ، حين تهتزّ الأسناد كلّها ، وتتوارى الأوهام وهي شتّى ، ويخلو القلب إلى اللّه وحده ، لا يجد سندا إلّا سنده . وفي هذه اللحظة فقط تنجلي الغشاوات ، وتنفتح البصيرة ، وينجلي الأفق على مدّ البصر ، لا شيء إلّا اللّه ، لا قوّة
هامش
( 1 ) البحار 11 : 69 / 29 ؛ مسند أحمد 1 : 172 ؛ الكافي 2 : 259 / 29 ؛ النسائي 4 : 352 / 7481 ؛ علل الشرائع 1 : 44 / 1 ، باب 40 .