قال تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 154 ]
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ( 154 )
والآن ، وعند نزول آيات القتال والمكافحة ضدّ أعداء الدين ، جعلت الجماعة المسلمة تستعدّ للجهاد ، جهادا شاقّا يستهدف إقرار منهج اللّه في الأرض ، ولأداء دورها المقسوم لها في قدر اللّه .
ولتسلم الراية والسير بها في الطريق الشاقّ الطويل ، الآن يأخذ القرآن في تعبئتها تعبئة روحيّة ، وفي تقويم تصوّرها لما يجري في أثناء هذا الجهاد من جذب ودفع ، ومن تضحيات وآلام ، وفي إعطائها الموازين الصحيحة الّتي تقدّر بها القيم في هذه المعركة الطويلة المدى :
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ . . .
نعم ، الّذين يستشهدون في سبيل إعلاء كلمة اللّه في الأرض ، حيث كانوا قتلى كراما أعزّاء أزكياء . هم عادة أكرم القلوب وأزكى الأرواح وأطهر النفوس ، وأقرب إلى رضوان اللّه تعالى ، ومن ثمّ فإنّهم ليسوا أمواتا - بمعنى الفناء والمحو عن صفحة الوجود - بل هم أحياء ، حيث كانت سمة الحياة الأولى هي الفاعليّة والنموّ والامتداد ، وسمة الموت هي السلبيّة والخمول والانقطاع .
وهؤلاء الّذين بذلوا نفوسهم في سبيل اللّه ، كانت فاعليّتهم في نصرة الحقّ الّذي قتلوا من أجله فاعليّة مؤثّرة دائمة ، والفكرة الّتي من أجلها قتلوا ترتوي بدمائهم على مدى الزمان . فما زالوا عنصرا فعّالا دافعا مؤثّرا في تكييف الحياة وتوجيهها .
[ 2 / 3972 ] قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « اغزوا تورثوا أبناءكم مجدا » « 1 » .
[ 2 / 3973 ] وقال عليّ عليه السّلام : « واللّه ما صلحت دنيا ولا دين إلّا بالجهاد » « 2 » .
قال سيّد قطب : وهذه هي صفة الحياة الأولى . فهم أحياء أوّلا بهذا الاعتبار الواقعي في دنيا الناس . ثمّ هم أحياء عند ربّهم - إمّا بهذا الاعتبار ، وإمّا باعتبار آخر لا ندري نحن كنهه . وحسبنا
هامش
( 1 ) كما في حديث الإمام الصادق عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الوسائل 15 : 15 / 16 .
( 2 ) الكافي 5 : 8 / 11 .