تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
بل ذلك أيضا لا يخرج عن مقام الرضا ، فالمقدم على الحجامة والفصد راض به وهو متألّم بسببه لا محالة ، وقد تفيض عيناه إذا عظم ألمه . وكتب ابن أبي نجيح يعزّي بعض الخلفاء : إنّ أحقّ من عرف حقّ اللّه تعالى فيما أخذ منه ، من عظم حقّ اللّه تعالى عنده فيما أبقاه له ، واعلم أنّ الماضي قبلك هو الباقي لك والباقي بعدك هو المأجور فيك . واعلم أنّ أجر الصابرين به فيما يصابون به أعظم من النعمة عليهم فيما يعافون منه . فإذن مهما دفع الكراهة بالتفكّر في نعمة اللّه تعالى عليه بالثواب ، نال درجة الصابرين . نعم من كمال الصبر كتمان المرض والفقر وسائر المصائب . وقد قيل : من كنوز البرّ كتمان المصائب والأوجاع والصدقة . فقد ظهر لك بهذه التقسيمات أنّ وجوب الصبر عامّ في جميع الأحوال والأفعال ، فإنّ الّذي كفى الشهوات كلّها واعتزل وحده لا يستغني عن الصبر على العزلة والانفراد ظاهرا ، وعن الصبر عن وساوس الشيطان باطنا . فإنّ اختلاج الخواطر لا يسكن . وأكثر جولان الخواطر إنّما يكون في فائت لا تدارك له أو في مستقبل لا بدّ أن يحصل منه ما هو مقدّر ، فهو كيفما كان تضييع زمان . وآلة العبد قلبه وبضاعته عمره ، فإذا غفل القلب في نفس واحد عن ذكر يستفيد به أنسا باللّه تعالى أو عن فكر يستفيد به معرفة باللّه تعالى ليستفيد بالمعرفة محبّة اللّه تعالى فهو مغبون ، هذا إن كان فكره ووسواسه في المباحات مقصورا عليه ، ولا يكون ذلك غالبا ، بل يتفكّر في وجوه الحيل لقضاء الشهوات ، إذ لا يزال ينازع كلّ من تحرّك على خلاف غرضه في جميع عمره ، أو من يتوهّم أنّه ينازعه ويخالف أمره أو غرضه بظهور أمارة له منه ، بل يقدر المخالفة من أخلص الناس في حبّه حتّى في أهله وولده ، ويتوهّم مخالفتهم له ، ثمّ يتفكّر في كيفيّة زجرهم ، وكيفيّة قهرهم وجوابهم عمّا يتعلّلون به في مخالفته ، ولا يزال في شغل دائم ، فللشيطان جندان : جند يطير وجند يسير ، والوسواس عبارة عن حركة جنده الطيّار ، والشهوة عبارة عن حركة جنده السيّار . وهذا لأنّ الشيطان خلق من النار ، وخلق الإنسان من صلصال كالفخّار ، والفخّار قد اجتمع فيه مع النار الطين ، والطين طبيعته السكون والنار طبيعتها الحركة ، فلا يتصوّر نار مشتعلة لا تتحرّك بل لا تزال تتحرّك بطبعها . وقد كلّف المخلوق من النار أن يطمئنّ عن حركته ساجدا لما خلق اللّه من الطين ، فأبى