تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
فاعلم أنّه إنّما يخرج عن مقام الصابرين بالجزع وشقّ الجيوب وضرب الخدود والمبالغة في الشكوى وإظهار الكآبة وتغيير العادة في الملبس والمفرش والمطعم ، وهذه الأمور داخلة تحت اختياره ، فينبغي أن يجتنب جميعها ويظهر الرضا بقضاء اللّه تعالى ويبقى مستمرا على عادته ويعتقد أنّ ذلك كان وديعة فاسترجعت . [ 2 / 3879 ] كما روي عن الرّميصاء أمّ سليم أنّها قالت : توفّي ابن لي وزوجي أبو طلحة غائب فقمت فسجّيته في ناحية البيت ، فقدم أبو طلحة فقمت فهيّأت له إفطاره فجعل يأكل فقال : كيف الصبيّ فقلت : بأحسن حال بحمد اللّه ومنّه ، فإنّه لم يكن منذ اشتكى خيرا منه اللّيلة . ثمّ تصنّعت له أحسن ما كنت أتصنّع قبل ذلك حتّى أصاب منّي حاجته ، ثمّ قلت : ألا تعجب من جيراننا ! قال : ما لهم ؟ قلت : أعيروا عارية فلمّا طلبت منهم واسترجعت جزعوا ! فقال : بئس ما صنعوا ! فقلت : هذا ابنك كان عارية من اللّه تعالى وإنّ اللّه قد قبضه إليه ، فحمد اللّه واسترجع ، ثمّ غدا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فأخبره ، فقال : « اللّهمّ بارك لهما في ليلتهما » « 1 » قال الراوي : فلقد رأيت لهم بعد ذلك في المسجد سبعة كلّهم قد قرأوا القرآن . [ 2 / 3880 ] وروى جابر أنّه صلّى اللّه عليه وآله قال : « رأيتني دخلت الجنّة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة » . وقد قيل : الصبر الجميل هو أن لا يعرف صاحب المصيبة من غيره ، ولا يخرجه عن حدّ الصابرين توجّع القلب ولا فيضان العين بالدمع ، إذ يكون من جميع الحاضرين لأجل الموت سواء ، ولأنّ البكاء توجّع القلب على الميّت ، فإنّ ذلك مقتضى البشريّة ولا يفارق الإنسان إلى الموت . [ 2 / 3881 ] ولذلك لمّا مات إبراهيم ولد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فاضت عيناه ! فقيل له : أما نهيتنا عن هذا ؟ فقال : « إنّ هذه رحمة وإنّما يرحم اللّه من عباده الرحماء » « 2 » .
هامش
( 1 ) مسند أحمد 3 : 287 ؛ الكبير 25 : 116 والرميصاء بضم الراء صحابيّة . ( 2 ) رواه البزّار والطبراني من حديث عبد الرحمن بن عوف قال : بعثت ابنة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّ ابنتي مغلوبة فقال للرسول : قل لها إنّ للّه ما أخذ وله ما أعطى ثمّ بعثت إليه ثانية فقال لها مثل ذلك ، ثمّ بعثت إليه الثالثة فجاءها في ناس من أصحابه فأخرجت إليه الصبيّة ونفسها تقعقع ( أي تضطرب ) في صدرها ، فرقّ عليها فذرفت عيناه ففطن به بعض أصحابه وهم ينظرون إليه حين ذرفت عيناه ، فقال : « ما لكم تنظرون رحمة اللّه يضعها حيث يشاء إنّما يرحم اللّه من عباده الرحماء » . راجع : مسند أحمد 5 : 204 والبخاري 2 : 80 ومجمع الزوائد 3 : 18 . وما عثرت على لفظ ما نقله المصنّف .
التفسير الأثري الجامع — صفحة 226 | الشيخ محمد هادي معرفة