تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1619

مساهمون:

ص١٦١٩
« يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ »
. . ( 1 : فاطر ) . . وإن نظرة في تاريخ الإنسانية لترينا أن الإنسان في أول ظهوره على هذا الكوكب الأرضي ، كان أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان ، يسكن الغابات والكهوف ، ويعيش عاريا أو شبه عار ، لا يستره إلا ورق الشجر أو نحوه ، كما لا تزال شواهد من هذا قائمة في البيئات المتخلّفة ، كما في الزنوج ، والهنود الحمر . . فهذا الإنسان البدائي كان - ولا يزال - محكوما بغرائزه الحيوانية . . أما هذا الإنسان الذي شهد عهد النبوّات ، فهو وليد حياة متطورة ، قطع الإنسان مسيرتها في مئات الألوف من السنين ، حتى أصبح أهلا لأن يخاطب من السماء ، وأن تناط به التكاليف الشرعية ، وأن يكون محلّا للحساب ، والثواب ، والعقاب . والنظرة التي ينظر بها إلى الإنسان على أن أمسه خير من يومه ، ويومه خير من غده ، وأنه سائر في طريق يتدلّى به سلّما سلّما من السماء إلى الأرض - هذه النظرة خاطئة من وجوه : فأولا : أنها نظرة محصورة في الوجود الذاتي للإنسان . . فالإنسان في نظرته إلى نفسه يرى أن واقعه الذي يعيش فيه ، غير محقّق لرضاه عنه ، أيّا كان هذا الوجود ، وأيّا كان حظّه مما لم يظفر به غيره . . إنه يتطلع دائما إلى ما هو أفضل . . وثانيا : وتأسيسا على هذا ، أن عدم رضا الإنسان عن واقعه ، وتطلعه إلى المستقبل الذي لا يجد فيه ما يرضيه - هذا التطلع - يشرف به على عالم مجهول ، لا يدرى ما سيطلع عليه منه ، فلا يجد إلا الماضي الذي يعيش في ذكرياته ، وإنه حين ينظر إلى هذا الماضي لا يذكر منه إلّا ما كان موضع مسرّته ورضاه . . أما ما يسوءه منه فإنه يختفى من حياته ، ولهذا كان الحنين إلى الماضي رغبة منبعثة من صدور كل إنسان .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1619 | عبد الكريم الخطيب