تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1617

مساهمون:

ص١٦١٧
الناس . فهذا قوله :
« ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ »
! ونظرة الأستاذ الإمام هنا ، قائمة على أن الإنسان في حال التذاجة والبدائية كان خيرا منه في حال الحضارة والمدينة ، أو بمعنى آخر ، أنه كان في حياة الغابة بين الحيوان ، لا يتكلف لحياته أكثر ممّا يتكلّف الحيوان ، حيث يأكل مما يأكل الحيوان ، ويسكن في كهوف ، وأجحار كما يسكن الحيوان - كان في هذه الحياة خيرا منه في حياة المدن ، وما ولّد له عقله فيها من قوّى سخّر بها الطبيعة ، واستخرج منها كنوزها المودعة في كيانها ، وأمسك بمفاتح أسرارها ، فاستضاء بالكهرباء ، واتخذ الهواء مركبا له ، بل وصعّد في السماء حتى وضع قدميه على القمر ، وهو بسبيل أن يضع أقدامه على الكواكب الأخرى ! ! ولو صحّ هذا الذي يقوله الأستاذ الإمام ، لكان معناه أن الحياة الإنسانية تسير إلى الوراء ، وهذا ما لا تسير عليه الحياة ، ولا ما تقتضيه سنّة التطور في الكائن الحىّ نفسه . . فالإنسان بدأ من طين ، ثم صار خلقا سويّا ، في أطوار ينتقل فيها من أسفل إلى أعلى . . من التراب ، ثم النطفة ، ثم العلقة ، ثم المضغة . . ثم . . ثم . . إلى أن يكون طفلا ، ثم غلاما ، ثم شابّا ، ثم رجلا . . كذلك الشأن في عالم النبات . . البذرة ، ثم النّبتة ، ثم الشجرة ، ثم الدّوحة العظيمة . . وهكذا . . حتى في عالم الجماد . وإنه لأولى من هذا أن تكون هذه النظرة مقصورة على الأفراد في أنواعها ، لا على الأنواع في أفرادها ، بمعنى أن الأفراد تدور في فلك محدود يكون لها فيه شروق وغروب ، وصعود وهبوط ، وازدهار وذبول ، ونضج وعطب . . أما الأنواع - مع ما يقع في أفرادها من تحول وتبدّل - فهي سائرة إلى الأمام أبدا ، متطورة إلى ما هو أحسن وأكمل . . وشاهد ( م 102 - التفسير القرآني ج 30 )