إن الذئاب قد اخضرّت براثنها * والناس كلّهم بكر إذا شبعوا
فكان من حكمة اللّه سبحانه وتعالى ، أن وزع الأرزاق بين الناس بقدر ، فلم يعط الناس جميعا حاجتهم ، فوسّع على بعض ، وضيّق على بعض ، حتى يعمر الكون ، ويتخذ بعضهم بعضا سخريا ، وحتى يشغلوا بمطالب العيش ، وحتى يكون في هذا الشغل ما يصرف جانبا من عدوان بعضهم على بعض إلى السعي والعمل في وجوه الأرض . . إذ لو أنهم كفوا جميعا السعي في طلب الرزق ، لكان شغلهم كله ، هو البغي والعدوان . . فالذين بسط اللّه سبحانه وتعالى لهم الرزق ، هم غالبا مثار بغى وعدوان ، وقليل منهم من يشكر اللّه ، ويذكر فضله ، فيرعى حق اللّه فيما خوّله من نعم ، وبسط له من رزق . وهذا مشاهد في الدول الاستعمارية الآن . . إنها مصدر إزعاج لأمن الإنسانية وسلامتها . .
وقد ضرب اللّه سبحانه مثلا لطغيان أصحاب المال وتسلطهم ، بقارون ، فقال تعالى :
« إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ »
( 76 : القصص ) ! كما ضرب سبحانه وتعالى مثلا بالخصمين اللذين اختصما إلى داود - عليه السلام - فقال تعالى على لسان أحدهما :
« إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ، فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ »
( 23 : ص ) وفي قوله تعالى :
« وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ »
أي أنه سبحانه ينزل من الرزق ما تقضى به حكمته ، فيبسط الرزق لمن يشاء ويقدره لمن يشاء ، كما يقول سبحانه :
« اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ »
( 62 : العنكبوت ) .
وقوله تعالى :
« إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ »
- إشارة إلى أن اللّه سبحانه وتعالى إنما لم يبسط الرزق لعباده ، لأنه خبير عليم بهم ، بصير مقدّر لما هو أصلح لهم . . ولو أنه سبحانه بسط لهم الرزق لبغوا في الأرض ، ولما صلح لهم أمر فيها . .