تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
قوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ »
. . هو بيان لما لهذا الأدب الذي يأخذ به المسلمون أنفسهم بين يدي رسول اللّه ، من ثواب عظيم ، وأجر كبير عند اللّه . . وقوله تعالى :
« يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ »
أي يخفضونها حياء وإجلالا . . وفي التعبير عن خفض الصوت بالغض الذي هو من شأن النظر ، إذ يقال غضّ فلان بصره ولا يقال غض صوته - في هذا التعبير إعجاز من إعجاز النظم القرآني ، الذي تحمله كلمات اللّه متحدية الجنّ والإنس جميعا . . ذلك أن خفض الصوت إنما يكون عن مشاعر الحياء ، التي من شأنها أن تنكسر معها حدة البصر ، فلا يستطيع المرء أن يملأ عينيه ممن يهابه ، ويجلّه ، ويوقره . . فهو إذا نظر غضّ بصره ، وإن هذا الغض من البصر يستولى على مخارج الصوت أيضا ، فيحبس الصوت عن أن ينطلق إلى غاياته ، بل يكسر حدته ، كما كسرّ حدة النظر . . ففي قوله تعالى :
« يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ »
إشارة ضمنية إلى غض البصر حياء ، وأن سلطان الحياء هو المتحكم في هذا المقام . وهكذا يتسلط الغضّ على الأبصار ، والأفواه جميعا . وقوله تعالى :
« أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى »
إشارة إلى أن قلوب هؤلاء المؤمنين الذين يغضون أصواتهم عند رسول اللّه قد أعدها اللّه سبحانه وتعالى وأرادها لتكون مستقرا ومستودعا للتقوى ، وهذا هو السر في تعدية الفعل « امتحن » باللام ، في قوله تعالى
« لِلتَّقْوى »
مع أن الأصل في فعل الامتحان أن يتعدى بالباء ، فيقال : « امتحنه بكذا ، لا لكذا » .