إن مقام القول سهل ميسور ، ومجال الكلام واسع فسيح . . وإن وضع القول على محكّ العمل ، هو الذي يكشف عن معدنه ، وما فيه من صدق أو كذب ، وحق أو باطل ، وصحيح أو زلف .
فهذه السورة التي كان يتمناها المؤمنون ، قد نزلت إليهم ، وهي سورة محكمة ، أي محددة المعنى ، محكمة المفهوم ، لا مجال فيها لتأويل ، أو تخريج . .
إنها على مفهوم واحد لا اختلاف فيه . . ولكن هذه السورة المحكمة تحمل إلى المسلمين ابتلاء واختبارا . . إنها تدعوهم إلى الجهاد في سبيل اللّه ، وإلى القتال والقتل في سبيل اللّه . .
وهنا تختلف بالمؤمنين مواقفهم من هذه السورة المحكمة ، التي تحمل دعوة إلى الجهاد في سبيل اللّه . .
فأما المؤمنون الصادقون ، الذين أخلصوا دينهم للّه ، فهم يستبشرون بما تلقوا من آيات اللّه ، إذ يتلقون الأمر الصادر إليهم منها بالرضا والقبول . .
وأما الذين في قلوبهم مرض ، فيأخذهم لهذا الأمر همّ ثقيل ، إنهم يتمثلون في تلك الحالة النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وهو على رأس المؤمنين ، يقودهم إلى الجهاد في سبيل اللّه ، فيتمثل لهم أنهم في هذا الجيش الذاهب إلى ميدان القتال ، وتتمثل لهم مصارعهم هناك ، فيغشاهم لذلك ما يغشى الميت ساعة احتضاره . .
إن آيات التي اللّه تنزل من السماء ليست أناشيد تردد ، ولا مزامير ترتّل ، ولكنها رسول هداية ، ودليل خير ، وقائد يقود إلى العمل في مواقع الحق والخير ، وداع يدعو إلى البدل ، والتضحية والفداء . .
وفي الآية الكريمة ، إشارة كاشفة إلى أول عرض من أعراض النفاق ، وأول سحابة تطلع في سماء المؤمن من سحبه .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 350
مساهمون: عبد الكريم الخطيب
ص٣٥٠