تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
أولا : أن على الإنسان أن يلتمس الهدى ويطلبه من ذات نفسه . . وهو في هذا إنما يستجيب لفطرته ، ولداعى عقله . . فإذا لم يتجه إلى هذا الاتجاه ، كان مصادما لفطرته ، معطلا لمدركاته . . إنه حينئذ يكون أشبه بالحبّة التي أصابها السوس ، أو مسّها العفن والعطن . . إنها تبذر مع غيرها من الحب ، وتسقى الماء كما يسقى غيرها ، ولكنها تظل جسما ميتا هامدا في الأرض ، يأكله الثرى ، على حين يخرج غيرها نباتا ، ثم يكون زرعا ، مزهرا مثمرا . . إن كل حبة من تلك الحبات التي نبتت وازدهرت وأثمرت ، لم تخرج إلى وجه الأرض إلا بما فيها من حياة كامنة ، وإلا بمجهود ذاتي ، بذلته الحبة حين اختلطت بالماء والتراب ، حتى لكأنها الأنثى تضع حملها ، فتعانى آلام الطلق ، والوضع ! . والذين
« اهْتَدَوْا »
أي بذلوا جهدا ذاتيا من أنفسهم ، للاتجاه نحو النور ، والدخول في دائرته - هؤلاء يزيدهم اللّه هدى بهذا النور الذي وضعه بين أيديهم ، فيرون على ضوء هذا النور أكثر مما رأوا ، حيث تهديهم هذه الرؤية إلى نور أعظم ، فيسعون إليه ، ويدخلون في دائرته . . وهكذا . .
« نُورٌ عَلى نُورٍ . . يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ »
( 35 : النور ) وفي قوله تعالى :
« وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ »
- إشارة إلى أن التقوى التي يبلغها المؤمن بإيمانه ، هي مطلب أعظم من مطلب العلم ، وأنها إنما تنال بعد جهد ، ومصابرة . . ولهذا ، فإنه إذ يبلغ الإنسان الدرجة التي يدخل بها مدخل المتقين ، يحتفى به في الملأ الأعلى ، وتخلع عليه خلعة التقوى من اللّه رب العالمين ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :
« وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ »
. . إنها هبة عظيمة من اللّه ، وعطاء كريم ، من رب كريم ، لعباد كرام على اللّه ، مكرمين في رحابه . .