تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
والجدل العنيف ، فإن ذلك من شأنه أن يثير في القوم دوافع الكبر والاستعلاء ، وأن يشغلوا بالمؤمنين ، وبالانتصار عليهم في المقاولة والمصاولة - عن النظر في أنفسهم والإفادة من آيات اللّه التي تتلى عليهم . . ومن أجل هذا جاء قوله تعالى :
« قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ »
- جاء داعيا المؤمنين إلى أن يتجاوزوا عن سفاهة هؤلاء المشركين ، وألا يلقوا سفههم بسفه مثله ، حتى تتاح الفرصة لهؤلاء المشركين أن يستمعوا إلى آيات اللّه ، في جوّ لا تنعقد فيه سحب الجدل والخصام ، التي تحجب عنهم الرؤية الصحيحة لآيات اللّه . . وبهذا تقام الحجة عليهم ، بعد هذا البلاغ المبين لدعوة اللّه . . فإذا لم يستجيبوا بعد هذا ، لم يكن لهم عذر يعتذرون به ، ووقعوا تحت طائلة العقاب الذي هم أهل له . . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :
« لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ »
. . فلقد أزيلت الحواجز التي تحجز القوم عن الاستماع إلى آيات اللّه ، حتى لقد احتمل المسلمون ما احتملوا من سفههم وتطاولهم عليهم ، كي يهيئوا لهم الجوّ الصالح للاستماع ، والنظر ، والتأمل ، فإذا كان بعد هذا ثمة حاجز يحجزهم عن الإيمان باللّه ، فهو من عند أنفسهم ، وكان كفرهم وضلالهم من صنع أيديهم ، التي حجبوا بها نور الحق عنهم . . وفي قوله تعالى :
« لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ »
. . وفي تنكير « قوم » إشارة إلى قوم بأعيانهم ، وأن أمرهم مع تنكيرهم ، أظهر من أن يدلّ عليه ، وأن يعرّف به . . وهؤلاء القوم ، هم أولئك المشركون ، الذين دعى المؤمنون إلى أن يغفروا لهم ، وأن يتجاوزوا عن سيئاتهم وسفاهاتهم . . فهؤلاء القوم قد امتنّ اللّه سبحانه وتعالى عليهم بهذه المنة العظيمة ، بفضل مقام رسول اللّه فيهم ، فلم يعجّل اللّه سبحانه وتعالى لهم العذاب ، بل أمهلهم إلى آخر لحظة من حياتهم ، حتى تكون أمامهم فسحة من الوقت ،