تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1283

مساهمون:

ص١٢٨٣
والإدراك ، ثم - زيادة في الاحتياط ، وحراسة لآذانهم من أن يقع فيها شئ من القرآن عفوا - جعلوا بينهم وبين النبي حجابا ، بالبعد عنه ، واجتناب أىّ مكان يكون فيه ، حتى يأمنوا أن تطرق كلمة من كلماته أسماعهم . . ! وقد يبدو - في ظاهر الأمر - أن النظم الذي جاء عليه القرآن في ترتيب هذه المغالق - أنه قد جاء بها على غير الترتيب الطبيعي ، الذي يألفه الناس ، في التدبير لما يحرصون عليه ، ويعملون على صيانته وحراسته ، من الآفات ، والعوارض التي تعرض له . . حيث يتجه الإنسان أول ما يتجه إلى إقامة سور حول بيته ، ثم يتخير في داخل هذا السور المكان الذي يقيم فيه البيت ، ثم يتخير من هذا البيت المكان الأمين الذي يحفظ فيه الغالي الثمين ، مما يحرص عليه من مال ومتاع . . ! هكذا يبدو وجه التدبير في مثل هذه الحال . . ولكن القرآن الكريم ، بدأ - كما نرى - من حيث انتهى التدبير البشرى . . فتحدث عن القوم بأنهم أحكموا إغلاق ما بداخلهم ، قبل أن يحكموا إغلاق المنافذ الخارجية التي يمكن الوصول منها إلى هذا الذي في الداخل :
« وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ »
فما سر هذا ؟ السر في هذا - واللّه أعلم - هو أن القوم لم يكونوا مع القرآن الكريم في سعة من أمرهم ، وفي فسحة من الوقت للاختيار ، والتدبير . . فلقد كان لهم مع القرآن الكريم لقاء من قبل أن يحكموا أمرهم معه ، ويلقوه بالتدبير الذي يرونه . . وكانت الكلمات التي سمعوها من القرآن الكريم ذات قوة نفاذة هزت قلوبهم من أقطارها ، وكادت تستولى