وقد حرّرت الشريعة الإسلامية الإنسان تحريرا كاملا ، وأطلقت كل قواه وملكاته من كل قيد ومن كل تبعية ، حتى أن الولاء الذي يعطيه المؤمن للنبىّ ليس ولاء أعمى ، بل المطلوب منه شرعا أن يكون ولاء مستندا إلى العقل ، وإلى الاقتناع . . حتى ينبع هذا الولاء عن نفس راضية وقلب مطمئن . . ولهذا كانت دعوة الإسلام دعوة قائمة على مجرد البلاغ ، والعرض لما بين يديها من هدى . . ثم إن للناس أن يعرضوا هذا المعروض عليهم ، على عقولهم . . ثم إن لهم مع هذا إرادتهم المطلقة ، في قبول ما عرض عليهم ، أو رفضه . .
وفي هذا يقول اللّه تعالى :
« وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ . . فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ »
( 29 : الكهف ) ويقول سبحانه لنبيه الكريم :
« أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ »
( 99 : يونس ) ويقول جلّ شأنه :
« لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ . . قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ »
( 256 البقرة ) وثالثا : هؤلاء المشركون ، الذي يتعاملون مع تلك الأصنام ، قد ضلوا ضلالا بعد ضلال . . فهم ضلوا أولا ، لأنهم لم يوجهوا وجوههم إلى اللّه مباشرة ، بل جعلوا بينهم وبين اللّه من يقودهم إليه ، وضلوا ثانيا لأنهم أسلموا زمامهم لتلك الدّمى التي لا تعقل ، ولا تسمع ولا تبصر ! ! فكيف يكون لهذا الدّمى أن تتجه بهم إلى متجه ، وهي تابعة في أماكنها لا تملك تحولا من حال إلى حال ، أو من مكان إلى مكان ؟ وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :
« أَ وَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ »
؟ أي أيتعاملون مع هذه المعبودات ويسلمون أمرهم إليها ، ولو كانت لا تملك شيئا ولا تعقل أمرا ؟ فإذا كان الإنسان على ضلال إذا أسلم نفسه لإنسان عاقل مثله ، أو لمن هو أعقل منه ، فإنه يكون على ضلال مبين ، وسفه غليظ ، إذا هو أسلم نفسه لحيوان أو حجر ! !