تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1083

مساهمون:

ص١٠٨٣
الخيل . . وقد سامه أحد أصحاب السلطان أن يشتريها منه ، أو أن يهبها له ، إن ضنّ يبيعها ، وارتفع بقدرها عن أن تنزل منازل السلع ، فلم يجد العربي بدّا من أن يدفع هذا المكروه ، متلطفا متوسلا بقصيدة يقول فيها .
أبيت اللّعن إن سكاب علق * نفيس لا يعار ولا يباع
مفدّاة مكرّمة علينا * نجاع لها العيال ولا تجاع !
فحبّ سليمان عليه السلام للخيل ، هو من هذا الحبّ ، خاصة وهو مولود في بيت ملك ، تربّى من صغره على الفروسية . . ونعود إلى القصة فنقول : إن سليمان - عليه السلام - إذ يقول هذا القول :
« إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي »
. إنما هو مراودة بينه وبين نفسه ، وخاطر من خطرات اللوم يدفع بها الزهو والعجب عنه ، وهو مواجهة هذه الفتنة ، ثم هو مع هذا يمضى فيما هو فيه ، ولا يقطع مراسم هذا الحفل العظيم الذي احتشد له رؤساء القوم وسادتهم في هذا الاستعراض العظيم لجيشه مشاة وفرسانا . . وإنه لا بأس من أن يمضى فيما هو فيه الآن ، ثم ليكن له بعد هذا حساب مع نفسه ، وتدبير فيما يكون منه في شأن هذه الخيل وغيرها ، مما يشغل منه وقتا يقطعه فترات عن ذكر اللّه ، بالاشتغال بهذا المتاع . . وهكذا ظل - عليه السلام - يستعرض الخيل ، حتى دخل الظلام ، فتوارت عن نظره بالحجاب ، أي حجاب الظلام . . فلم يعد يرى ملامحها ، ويتحقق من شياتها ، وما ينكشف لعينيه من أعضائها ، التي تعطى الصفة الملاءمة لكل جواد منها . . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :
« حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ »
أي أنه - عليه السلام - ما زال ينظر إليها ، ويستعرض بعينه تناسب أعضائها ، وتناسق بنائها ، حتى توارت عنه بهذا الحجاب الذي أرخاه الليل عليها ، إذ أن عرضها
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1083 | عبد الكريم الخطيب