إنه سلطان ، يملك دنيا عريضة . . ولهذه الدنيا إغراؤها ، وشهواتها . .
وإنه نبي كريم . وللنبوة خطرها ، وجلالها ، وسموّها . .
والمطلوب منه هنا ، هو أن يجمع بين السماء والأرض . . أن يلبس الملك والنبوة معا . . فلا يرى في حال من أحواله إلا ملكا نبيّا ، أو نبيّا ملكا . .
إنه ملك من عند اللّه ، ونبىّ من عند اللّه ، يسوس الملك بالنبوة ، ويؤيد النبوة بالملك ! . .
ولا شك أن هذا فضل عظيم ، ولكنه ابتلاء عظيم أيضا ، ولهذا كان هذا الإلفات السماوىّ لداود ، أن يأخذ حذره ، إذ يقول له الحق جل وعلا :
« يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . . إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ »
. ولهذا أيضا كان تقبل اللّه سبحانه لداود ، وتجاوزه عن ذنبه ، إذ كان إنما حمل أمرا عظيما ، تغتفر له فيه الهنات ، وتقال فيه العثرات ! فما هي هفوة هذا النبىّ الكريم ، وما هي عثرته ؟
إنها - واللّه أعلم - ملففة في ستر من ألطاف اللّه ورحمته ، فيما كان من تلك القضية التي عرضها عليه الخصمان :
« خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ * إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ »
إن القضية تمثل صراعا بين قوىّ وضعيف . . بين من يملك الكثير الكثير ، ومن لا يملك إلا القليل القليل . . بين صاحب سلطان يعتز بسلطانه ، ويمضى الأمور بكلمة تصدر من فمه ، وبين من لا يملك الكلمة بقولها أمام هذا السلطان ! . .