تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1060

مساهمون:

ص١٠٦٠
وقوله تعالى :
« وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ »
أي واذكر في هذا المقام الذي تدعى فيه إلى الصبر -
« اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ . . إِنَّهُ أَوَّابٌ »
ففي ذكره في هذا المقام ما تجد فيه الروح الأنس ، لما يتمثل لك من سيرته ، التي يقصها اللّه عليك . . والأيد : القوة . . وهي مأخوذة من اليد ، التي تتمثل فيها قوة الإنسان الجسدية . . ثم إنها ليست يدا واحدة ، بل أيديا كثيرة . . وإذن فهي قوة خارقة . . والقوة هنا ليست قوة جسدية - وحسب - بل هي قوة روحية ونفسية أيضا ، تشتمل على طاقات عظيمة ، من الصبر على المكاره ، واحتمال الشدائد . . والأوّاب : كثير الأوب ، والأوب هو الرجوع إلى المكان الذي كان منه الذهاب . . فهو رجوع بعد ذهاب . . وقد غلب الأوب على المعنويات ، كما غلب الإياب على الماديات . . والمراد بالرجوع هنا ، الرجوع إلى اللّه ، والاستقامة على طريقه ، بعد ميل عنه . . فالأواب : هو الراجع إلى اللّه مرة بعد مرة . . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :
« رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً »
( 25 : الإسراء ) . والسؤال هنا هو : لما ذا كان داود عليه السلام هو المثل الذي يقيمه النبي - صلوات اللّه وسلامه عليه - بين عينيه ، وهو بشدّ عزمه بالصبر على ما يقول قومه من زور وبهتان فيه ؟ وهل في داود - عليه السلام - فصل خاص في هذا المقام ، لم يبلغه الأنبياء ؟ إن القرآن يحدثنا عن إسماعيل ، وإدريس ، وذي الكفل ، على أنهم المثل البارز في الصبر الكامل . . فيصفهم سبحانه بالصبر ، مجتمعين ، فيقول