تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 801

مساهمون:

ص٨٠١
في هذه الأيام ، حيث كان الانتقال من مكان إلى مكان ، محفوفا بالمخاطر والأهوال ، منذرا بالوبال والهلاك . . ولهذا امتن اللّه على قريش بأن آمنهم في أسفارهم في رحلتي الشتاء والصيف ، فقال تعالى :
« لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ »
فما ذا كان من القوم إزاء هذه النعمة أيضا ؟ لقد كفروا بها ، وتنكروا لها ، كما كفروا وتنكروا للخصب والرخاء ، والخبر الكثير الذي أخرجته أرضهم . . فقال تعالى على لسانهم :
« فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ »
. لقد بطر القوم معيشتهم ، فتنكبوا عن هذا الطريق الآمن المطمئن ، والتمسوا طرقا أخرى إلى جهات بعيدة غير تلك الجهة التي ألفوها ، وتبادلوا المنافع مع أهلها . . واستبدّ بهم الغرور ، وأغراهم الطمع ، فركبوا الأهوال ولمخاطر ، لا لحاجة إلّا أن يرضوا هذا الغرور الذي ركبهم ، إلا ليغذّوا مشاعر الاستعلاء التي استولت عليهم - فكان أن بدد اللّه شملهم ، وبعثرهم في الأرض ، ومزقهم كل ممزق . . فأصبحوا أحاديث على ألسنة الناس ، لما وقع بهم من بلاه ، وما حل بديارهم من خراب . . وليس الذي ذهبنا إليه في تأويل قوله تعالى :
« فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا »
من أنهم ركبوا الأهوال والمخاطر - ليس هذا بالذي يحظر على الناس أن تنزع بهم هممهم إلى أبعد مما هم فيه ، وإلى أن يتقلبوا في كل وجه من وجوه الحياة . . فهذا شئ ، والذي كان من القوم شئ آخر . . إنهم خرجوا عماهم فيه بطرا