تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 795

مساهمون:

ص٧٩٥
غيرها يمكن أن يعلمها الجن ، قبل أن يعملها الإنسان الذي في الطرف الآخر من هذه الوقائع . . وهو في الواقع ليس من علم الغيب ، وإنما هو مشاهدة ، حيث كان عن واقع محسوس يراه الجن رأى العين . . فهو حضور بالنسبة للجن ، ولكنه غيب بالنسبة للإنسان البعيد عن موقع الحدث . . حيث يرى الجن - ولا نرى نحن البشر - ما وراء الأبواب المغلقة ، أو الجدر القائمة ، ونحوها . . وهذا غيب بالنسبة لنا ، ولكنه حضور بالإضافة إلى الجن . . أما الغيب بالنسبة للجن ، فهو الأحداث التي لم تولد بعد ، ولم تخرج إلى عالم الشهود ، كمقدّرات اللّه في خلقه ، وما يلقون على طريق حياتهم من خير أو شر . . كالعمر ، والرزق والذرية ، وغير ذلك مما هو مقدر على الإنسان . . ومثل الإنسان في هذا سائر المخلوقات ، وما قدّره اللّه لكل مخلوق . . فهذه المقدرات التي هي في حالة كمون ، لم تتحرك بعد إلى الظهور ، لا يعلمها إلا علام الغيوب ، وإلا من اصطفى من رسله ، فأظهره على بعض ما انطوى في صحف الغيب . وموت سليمان بالنسبة للجن هو غيب ، إذ أن الروح التي كانت تلبس سليمان وتضفي عليه الحياة ، هي سر من أسرار اللّه ، وغيب من غيوبه ، وأمر من أمره ، لا يعلمه إلا هو ، فلما زايلت مكانها من سليمان ، لم يشعر الجن بها ، ولم يعلموا من أمرها شيئا ، وحسبوا سليمان - وهو ميت - أنه في غفوة ، أو في سنة من النوم . . فلما سقطت العصا التي كان يتكئ عليها ، وخرّ ميتا دون حراك ، علم الجن أنه مات ، وتبين لهم من ذلك أنهم لا يعلمون الغيب ، ولو كانوا يعلمون الغيب لعلموا أمر الروح التي زايلت سليمان ، ولعلموا أنه مات ، ولما لبثوا في قيد التسخير والعمل يوما أو بعض يوم . . إنه عذاب مهين لهم ، وإذلال لسلطانهم ، وقهر لجبروتهم .