تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 700

مساهمون:

ص٧٠٠
في كل أحيائها . . ثم يعرض على الأنظار فيها هذا المال الكثير الذي اكتنزه اليهود خلال قرون طويلة ، وجمعوه من كل وجه - فلا تطمح إليه نفس ، ولا تمتد إليه عين أو يد ! ! إنه انقلاب مزلزل في البيئة العربية . . وإنه لأكثر من انقلاب أن يبدأ القائد بنفسه ، ويأخذها بهذا الحكم ، ثم يدع للمسلمين أن يأخذوا حظوظهم من هذا المال ، وأن يقتسموه بينهم . . وقد كان المتوقع أن يدور الأمر على عكس هذا ، فيستأثر القائد بكل نفيس غال من هذا المغنم ، جريا على ما اعتاد العرب في غاراتهم على أعدائهم . . فلقائد الجماعة المنتصرة الغانمة أن يصطفى ما يشاء ، من الغنيمة قبل قسمتها ، وأن يعطى منها ما يشاء لمن يشاء . . ثم يذهب بالربع مما بقي ، ويدع ثلاثة الأرباع تقسم بين المحاربين . . وفي هذا يقول شاعرهم مخاطبا قائد الحرب :
لك المرباع فينا والصفايا * وحكمك والنشيطة والفضول
وإذا لم تكن كتب السيرة قد التفتت كثيرا إلى هذا الحدث ، ولم ترصد آثاره في البيئة العربية كلها - فإن الذي لا شك فيه أنه أثار هزة عنيفة في المجتمع العربي كله ، مسلمين ، وغير مسلمين . . والذي لا نشك فيه كذلك أنه أدار تفكير الناس جميعا إلى الإسلام ، وإلى الغاية التي يقصد إليها ، وأن كثيرا ممن لم يدخلوا في الإسلام ، والذين كانوا على غيرة وحسد للنبىّ أن يعلو عليهم بسلطان ، وأن يستطيل عليهم بدعوته وما يجمع لها من أنصار - كثير من هؤلاء قد استخزوا أمام أنفسهم ، وأطفئوا بأيديهم نيران الحقد والحسد على الدين الجديد ، وعلى صاحب الدعوة به فيهم . . وإن الذي يمدّ بصره إلى ما بعد هذا الحدث ليرى أن الطريق مفتوح إلى فتح مكة وإلى دخول الناس في دين اللّه أفواجا ، فقد كان لهذا الحدث أثره العظيم في كسر حدّة العداوة والعناد للنبىّ
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 700 | عبد الكريم الخطيب