عن فرعون وملائه :
« كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ »
. . ثم يجئ بعد هذا قوله تعالى :
« وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ »
الآيات : ( 25 - 31 ) . .
فالميراث الذي تتحدث عنه الآيات في هذه المواضع ، كان ميراث ما في أيدي المصريين من خيرات مصر ، التي سلط اللّه عليها آفات تحرمهم الانتفاع بها ، على حين كان ينتفع بها بنو إسرائيل ، إلى أن خرجوا من مصر . . وتلك آية من آيات اللّه ، حيث تجتمع النعمة والنقمة في الشيء الواحد . . تتناوله يد ، فيتحول فيها إلى نقمة ، وتمسك به يد أخرى ، فإذا هو نعمة ! ولا يدفع هذا ، ما وصفت به الأرض في قوله تعالى ؛
« الَّتِي بارَكْنا فِيها » *
إذ قد يقع في بعض الأفهام أن « البركة » تعنى أرضا مخصوصة ، هي الأرض المقدسة . . وفي رأينا أنه إذا اجتمع للأرض المقدسة ، القداسة والبركة ، فإنه لا ينفى أن يشاركها غيرها بعض صفاتها ، فقد وصف البيت الحرام بأنه مبارك وهدى للعالمين ، كما يقول تعالى :
« إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ »
( 96 : آل عمران ) . ومصر بلد مبارك ، لا شك في هذا . . فقد ربى في حجره ، النبيان الكريمان موسى وعيسى عليهما السلام . .
حتى إذ طلعت شمس الإسلام كان مصر البلد المبارك الذي سبق إلى الإسلام ، وأمدّ بخيراته المسلمين ، وأعزّ برجاله جيوش المجاهدين . . ثم كان بعد هذا حمى الإسلام وملاذه في الشدائد والمحن ، كما كان - ولا يزال - الحفيظ الأمين على شريعته ولغته ، حيث ينشر علوم الشريعة في آفاق الإسلام ، ويفد إليه طلاب علوم الدين واللغة من كل قطر ، فينهلون من المعارف ، ثم يعودون إلى أقوامهم أساتذة معلمين ، وهداة مرشدين . .