تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
المحسوسات إلّا وفي الجانب الآخر ، الوجه المضاد له . . فإن لم نجد هذا الوجه بحثنا عنه ، حتى نعثر عليه ، واقعا أو متخيّلا . وفي قوله تعالى :
« وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً »
إشارة إلى أن هذا الظل هو في يد اللّه ، وتحت سلطان مشيئته ، وأنه سبحانه لو شاء أن يجعله ساكنا ، أي مقيما أبدا على حال واحدة لا ينسخه ضوء - لو شاء سبحانه ذلك ، لنفذت مشيئته ، ولأظلّنا هذا الظلّ أبدا . . ولكنه سبحانه قضى - بحكمته ورحمته - أن ينسخ الظلّ بالنور ، وأن ينسخ النور بالظل ، فنلبس في حياتنا هذين الثوبين على التناوب ، كل يوم . . وفي قوله تعالى :
« ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً »
- إشارة إلى حركة التناسخ بين الظل والنور . . وأن يد القدرة تقبض الظلّ شيئا فشيئا ، على حين تبسط النور بقدر ما تقبض من الظل . . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :
« قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَ فَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »
( 71 - 73 : القصص ) . . والصورتان ، وإن كانتا تدلان على مدلول واحد ، إلا أن الصورة الأولى - على صغرها - فيها حركة ، وفيها تفصيل ، أريد بهما الالتفات إلى تلك العملية ، التي تجريها يد القدرة في تناسخ الليل والنهار ، أو الظلام ، والنور ، على حين أن الصورة ثانية كانت غايتها الكشف عن الحكمة في هذا التناسخ ، وبهذا تتآلف الصورتان ، وتتكون منهما صورة واحدة وإن كانت كل صورة منهما قائمة على التمام والكمال ، لا ينقصها شئ من الألوان أو الظلال . .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 34 | عبد الكريم الخطيب