تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
ومجىء الأمر ، على هذا الأسلوب الاستفهامى ، هو إغراء بهذا الأمر . حيث يطلع من هذا الاستفهام إنكار ، واستغراب من عدم النظر إلى الظل ، وكيف مدّه اللّه . . ثم يطلع من هذا الإنكار والاستغراب داع يدعو إلى المبادرة بالنظر ، وإدراك ما فات . . والتقدير هكذا : ألم تر إلى ربّك كيف مدّ الظل ؟ ما ذا صرفك عن هذا ؟ فيا أيها الإنسان إذا كنت إلى الآن لم تكن قد نظرت فهيّا ، فذلك أمر لا ينبغي أن يفوت ذا عقل ! وقوله تعالى :
« إِلى رَبِّكَ »
أي إلى قدرة ربّك ، وحكمته ورحمته . . وهذا يعنى النظر إلى اللّه سبحانه وتعالى من خلال آثاره ، وما يتجلّى على هذه الآثار ، من صفات الكمال والجلال ، التي تفرّد بها ، الإله الواحد ، الفرد الصمد . . وفي إضافة النبيّ الكريم إلى ربّه ، تكريم له ، وأنس لوحشته ، في هذا الوقت العصيب ، الذي كان يعيش فيه مع قومه ، وقد وصفوه بالجنون والسّفه . وقوله تعالى :
« مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً »
أي نشره ، وبسطه . . حتى ليكاد يغمر الكائنات . وقوله تعالى :
« ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا »
- إشارة إلى أنه لولا الشمس ، لما عرف الظل ، فظهور الشمس ، هو الذي يدل على أن هناك ظلّا يطوى ، فتحرك الظلّ مع الشمس هو الذي يدل على وجوده ، وإن كان موجودا في ذاته . . وهذا يعنى أن التضادّ بين الأشياء ، هو الذي يدل على وجودها ، ويجعل لهذا الوجود صفات ، تحدد شخصيته ، وذاتيته . . وهذا يعنى أيضا أن التضادّ أمر لازم في نظام حياتنا البشرية - على الأقل - حتى نميز بين الأشياء ونحدّد سلوكنا إزاءها . . فهناك الخير والشر ، والهدى والضلال ، والكفر والإيمان ، والنور والظلام ، والجميل والقبيح ، والحلو والمرّ . . إلى ما لا يحصى من محسوسات ومعنويات . . حتى لا نكاد نجد معنى من المعاني ، أو محسوسا من
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 33 | عبد الكريم الخطيب