تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
خرج موسى يسير في طرقات المدينة ، يتحسس أخبار الفعلة التي فعلها بالأمس ، ويتسمع حديث الناس عنها ، وعمن فعلها ، وذلك ليستوثق أنه غير مطالب بما حدث . . وتلك غريزة تدفع بمرتكب الجريمة أن يحوم حولها ، كما يقرر ذلك علماء الإجرام . . وإلا فما ذا كان يحمل موسى على البقاء في المدينة ؟ ألا يخرج منها كما دخل إليها ، دون أن يشعر به أحد ؟ . - وقوله تعالى :
« خائِفاً يَتَرَقَّبُ »
- تصوير لما كان يلبس موسى من خوف واضطراب . . - وفي قوله تعالى :
« يَتَرَقَّبُ »
- إشارة إلى أنه كان يتطلع إلى وجوه الناس ، ويستقرئ ما قد تكون تركت عليها الحادثة من آثار ! . ومع هذا الهمّ الذي يعالجه موسى ، تفجؤه الأحداث بما لم يكن يقع في الحسبان . . لقد رأى الإسرائيلى ، الذي حمله هذا الوزر ، وساقه إلى هذا الموقف - رآه في حال كتلك الحال التي رآه عليها بالأمس . . رآه مشتبكا مع مصرى في صراع غير متكافئ . . ثم ما إن رأى الإسرائيلى موسى حتى علا صراخه ، طالبا الغوث والنجدة . .
« فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ »
أي يستغيث به . . وينظر موسى إلى الإسرائيلى بعين المغيظ المحنق ، ويتمثل فيه الشيطان الذي رأى أنه هو الذي أوقعه فيما وقع فيه بالأمس ، وقال عنه :
« هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ »
وهنا يلقى الإسرائيلى بقوله :
« إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ »
. . وهكذا يضع القدر بين يدي موسى صورة مصغرة لما سيكون بينه وبين بني إسرائيل ، تنعكس على مرآة ما كان بينه وبين هذا الإسرائيلى . . لقد خلّص موسى « الإسرائيلى » من يد القوة الباغية التي كان يئن تحت ضرباتها . . ثم ها هو ذا الإسرائيلى ، يلتحم من جديد في معركة ، ويريد أن يدفع موسى إلى مثل ما دفعه إليه بالأمس ، فيقتل مصريا آخر كما قتل مصريا بالأمس . .