تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
تلك العصا التي كانت خشبة جامدة في يده منذ لحظات . . وفي قوله تعالى :
« وَلَمْ يُعَقِّبْ »
. . إشارة إلى أنه لم يتراجع إلى الوراء قليلا ، على عقبه ، حتى ينكشف له الأمر ، ويتبين إن كان سيقبل أم يدبر . . بل إنه اتخذ هذا القرار دون شعور ، إذ لم يكن له أمام هذا الهول وقت يفكر فيه . . ثم هل هناك ما يحتاج إلى تفكير ؟ إنه رأى واحد ، وهو الفرار من الهول العظيم ! وقوله تعالى :
« يا مُوسى لا تَخَفْ . . إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ »
. هو صوت الحقّ ، الذي تبع موسى في منطلقه هذا ، وأمسك به على طريق الفرار ، وأنزل على قلبه الطمأنينة والسكينة . . إنه ليس وحده مع هذا الثعبان العظيم . . وهذا هو صوت الحق يملأ هذه الوحشة أنسا ، ويحيل هذا الفزع والهلع طمأنينة وأمنا . .
« يا مُوسى . . لا تَخَفْ »
. . وإنّ كلمة « موسى » لتفعل فعلها في هذا الموقف ، إذ أن المنادى يعرف موسى . وإذن فلا يخاف منه ، لأنه في حضرة من يعرفه ، ومن كان من شأن هذه المعرفة لا يجئ منها ما يسوء . . إن الإنسان في مثل هذا العالم الموحش ليتلمس أي وجه كان له به معرفة ، من قريب أو بعيد . من إنسان ، أو حيوان أو جماد . . إن أي شئ من هذا ، يبعث الأنس ، ويذهب بكثير من وحشة الغربة . . ! ويفىء موسى ، إلى شئ من الطمأنينة ، ويذهب عنه كثير مما استولى عليه من الخوف . .
« يا مُوسى . . لا تَخَفْ »
. . ! ثم لا تكاد نوازع الخوف تعود إلى موسى مرة أخرى . بعد أن سكت هذا النداء المؤنس ، حتى يجئ النداء مرة أخرى يملأ الوجود كله من حوله :
« إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ »
. . وهنا يعلم موسى أنه قد اختير لرسالة
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 217 | عبد الكريم الخطيب