حياته ستمتدّ بعد موته ، بما يجرى على ألسنة الناس من ذكره ، في مقام الحمد والثناء . . ! وثالثا : أن عجب زكريّا ودهشه من أن يولد له ولد ، وهو يعلم أن اللّه سبحانه لا يعجزه شئ ، وأنه إذ يعلم هذا فقد طلب الولد ، وهو في حال لا يولد منه ومن امرأته العقيم ولد - نقول : إن عجبه ودهشه لم يكن متوجها إلى اللّه سبحانه وإلى قدرته ، وإنّما كان عجبا ودهشا من نفسه ومن زوجه أن يكون لهما ولد ، وأن يراهما الناس وقد ولد لهما بعد هذا الزمن الطويل الذي عاشاه بغير ولد . . وقد جاء قوله تعالى :
« قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً »
- جاء هذا القول من اللّه تعالى ، ليسكن به قلب زكريّا الذي طارت به الفرحة ، واستبدّت به المفاجأة بهذا الأمر العجيب ! ورابعا : استعجل « زكريا » الإمساك بهذا الولد الذي كان حلم حياته ، فأراد ألّا يخرج من هذا المقام الذي هو فيه ، دون أن يكون بين يديه أثر من هذا الولد ، يمسك به ، ويتعلل بالحياة معه ، حتى يحين مولده ، ولهذا قال :
« رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً »
! فهو يريد الآية التي يرى من خلالها وجه هذا الغلام ، الذي طال انتظاره له . . فجاء قوله تعالى :
« آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا »
. .
فكانت آيته أن يحبس اللّه لسانه عن الكلام لغير علة ثلاثة أيام ، وثلاث ليال كاملة ، لا يتعامل مع الناس فيها إلا بالرمز والإشارة . .
وقد جعل بعض المفسّرين هذه الآية ضربا من الأدب ، أو نوعا من العقوبة لزكريا ، على اعتبار أن طلب الآية إنما هو لطلب اليقين من قدرة اللّه ! وهذا فهم لا يستقيم ، مع تلك النعم ، وهذه الألطاف التي يفيضها اللّه على عبده زكريا . .