سلطان على نفسه . . فيصرخ في وجه أستاذه قائلا :
*
« أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها . ؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً »
! ! فما هكذا يعمل العقلاء ، وما هكذا تجرى أعمال أهل الصلاح والتقوى . . إنه عدوان صارخ على الأبرياء . . لا مبرّر له ، ولا عذر لمرتكبه ! والإمر : المنكر من الأمر . .
ويتلقى العبد الصالح هذه الثورة المتوقعة من موسى ، في رفق ولطف . .
فلا يزيد على أن يقول له :
*
« أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ؟ »
.
وهنا يتنبّه موسى إلى الشرط الذي كان قد اشترطه عليه صاحبه ، وصحبه هو عليه . . فيقول معتذرا في أدب كريم :
*
« لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً »
. . أي هذه هفوة فتجاوز لي عنها . . وخذني برفق ، ولا تشتدّ علىّ ، وأنت تعلم من أول الأمر ثقل هذا الذي تلقيه علىّ من علمك . .
« فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ »
! وهذه فعلة أشد من سابقتها وقعا ، وأفدح خطبا ، وأنكر نكرا . .
إذ كانت الأولى في متاع من متاع الدنيا . . أما هذه ، فقد وقعت على نفس إنسانية بريئة براءة الطفولة . . لم تقترف إثما ، ولم تأت منكرا . . ومن أجل هذا ينسى موسى وجوده كلّه ، ولا يذكر الشرط الذي بينه وبين صاحبه ، ولا يلتفت إلى زلّته التي زلّها منذ قليل مع أستاذه ، واعتذاره له . . فيصرخ صرخة عالية مدوّية :