ومرة :
« وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً »
! . . وذلك إنما يقوله ويكرره إمعانا منه في الكيد لصاحبه ، والسخرية به ، وبالدين الذي يدين به . ! ثم لا يقف هذا الآثم الجهول عند هذا الحدّ ، بل يقطع على صاحبه تلك الخواطر التي تنبعث من إيمانه ، والتي تمسك به على طريق الإيمان ، وتبعث في نفسه العزاء بما سيلقى في الآخرة من جزاء حسن عند اللّه ، ذلك الجزاء الذي يزرى بكل ما يملك الناس جميعا في هذه الدنيا من مال ومتاع - فيقول لصاحبه :
« وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً »
. . فلست وحدك يا صاحبي الذي يذهب بحظّه الذي يؤمّله في الحياة الآخرة . . فأنا كذلك سيكون لي في الآخرة - إن كانت هناك آخرة - حظ خير من حظك ، ومقام خير من مقامك . . فكما أنا وأنت في هذه الدنيا على ما ترى ، كذلك سنكون في الآخرة على هذا الحال . . أنا صاحب جنات خير من هذه الجنات . . وأنت كما أنت ! فالوضع هناك هو الوضع هنا . . تماما كما ننتقل أنا وأنت من بلد إلى بلد . . لن يغيّر هذا الانتقال من حال أىّ منا شيئا ! وهكذا يذهب الضلال بأهله إلى تلك المذاهب الممعنة في السّفه والجهالة ، فيرون حقائق الأمور مقلوبة على وجوهها ، وهم في هذا الوضع المنكوس الذي أقاموا فيه رؤوسهم مقام أرجلهم . . وفي هذا يقول اللّه تعالى :
« أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً »
( 8 : فاطر ) ويقول سبحانه :
« لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ
فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ * وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى »
( 49 - 50 : فصلت ) .
وهنا يأخذ الموقف بين الرجلين وضعا آخر . . فيتكلم المؤمن ، ويستمع الكافر . .