تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 602

مساهمون:

ص٦٠٢
وانظر كيف بدأ هذا الحديث . . بتلك القافات المتكررة ، وما فيها من ثقل وتقلّع ، ثم تلك الواوات والياءات ، وما فيها من رخاوة وتميّع . . إنك لو ذهبت تسرع بقراءة الآية الكريمة :
« قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ »
لما استجاب لك لسانك ، ولعقلته تلك الكلمات والحروف ، عن أن يجاوز الحركة البطيئة المقدورة له في هذا الموقف . . وإلّا تعثّر واضطرب . ثم يأخذ النعاس ينجلى شيئا فشيئا ، حتى يصحو القوم صحوة واعية ، فإذا هم يتدبرون أمرهم ، ويأخذون في العمل . . وإذا الكلمات تحيا على شفاههم ، وتأخذ طريقا جادّا حازما . . -
« فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً »
! وينتقل المنظر من الكهف إلى المدينة . . وإذا رسول الجماعة يسعى هناك ، مقتصدا في مشيته ، مكثرا من التلفّت التائه في هذا العالم الغريب ، الذي يراه كما يرى النائم حلما يطوّف به في عالم غير عالمه الذي عاش فيه ! وفجأة ينكشف أمر الرجل لأهل المدينة ، وإذا هو ظاهرة غريبة ، أشبه بالظواهر الكونية التي تبغت الناس . . وإذا رجّة طاغية تستولى على المدينة كلها ، وإذا الناس جميعا إلى حيث الرجل ، كأنما يساقون إلى الحشر . . والذي انكشف للقوم من غرابة الرجل ، هو غرابة هيئته في زيّه ، ثم إن الذي نمّ عليه كذلك ، هو هذا النقد الذي قدّمه ليشترى به طعاما . . فالزّى الذي يتزيّا به الرجل قديم ، من زمن مضى لا يلتقى مع زىّ القوم في هذا الوقت الذي طلع عليهم فيه ، إذ أن الناس يستحدثون في كل زمن زيّا