تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
في كل أفق ، باحثا عن يوسف . . ثم يعود آخر المطاف ولا شئ معه ، إلّا هذه الزّفرات التي تنطلق من صدره ، فترسم على لسانه هذا النغم الحزين :
« يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ »
! ! وهكذا تهجم لوعات الأسى والحسرة على هذا الشيخ الكبير ، حتى لقد ابيضّت عيناه من الحزن الدفين ، الذي أبى على عينيه أن تبللهما قطرات الدموع ، وأن تطفئ النار المشتعلة فيهما ، حتى أتت على فحمة سوادهما ، وأحالته رمادا ! « فهو كظيم » أي يكظم حزنه ، ويحبسه في صدره . . وذلك هو الحزن أفدح الحزن ، وأشدّه قسوة . . يقول الشاعر « البارودي » :
فزعت إلى الدموع فلم تجبنى * وفقد الدّمع عند الحزن داء
وما قصّرت في جزع ولكن * إذا غلب الأسى ذهب البكاء
« قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ »
. ومع هذه الهموم وتلك الأحزان ، التي يعالجها الشيخ الضعيف في نفسه ، ويمسكها في كيانه ، فإنه لم يسلم من اللّوم ، الذي يزيد من آلامه ، ويضاعف من أحزانه . . فإذا غفل عن نفسه لحظة وجرت على لسانه كلمة يهتف فيها بيوسف ، تحركت الغيرة في صدر أبنائه ، وسلقوه بألسنة حداد . . إنه لم ينس يوسف ، ولن ينساه ، وإنه لا يزال يعيش مع ذكراه ، منصرفا إليه بوجوده كلّه ، غير ملتفت إلى أحد سواه ! ومن كلمات العتب واللوم التي يسمعها يعقوب من أبنائه كلما جرى ذكر يوسف على لسانه - قولهم هذا ، الذي حكاه القرآن عنهم :
« تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ »
. . والحرض : الشيء الذي استحالت طبيعته وتغيرت معالمه .