وإنها لعبادة أىّ عبادة ، تلك الأكفّ الضارعة إلى اللّه ، وهذه الألسنة الشاكية له ، وتلك العيون المتطلعة إليه ، ترقب العافية منه ، وتنتظر مواطر الخير من غيوث رحمته . .
ولهذا ، فلقد كان مما أمر اللّه به عباده أن يدعوه دائما . . في السراء وفي الضرّاء ، وأن يكشفوا بين يديه أحوالهم ، وهو الذي يعلم سرهم ونجواهم ، وأن يجتهدوا في الطلب ، وهو الذي قدّر كل شئ ، وكتب لهم ما هو لهم . . ولكن هذا منهم هو عبادة له ، وتسبيح بحمده . . وفي هذا يقول سبحانه . .
« ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً »
( 55 : الأعراف ) . . ويقول سبحانه :
« فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً »
( 90 : الأنبياء ) .
ويقول سبحانه :
« وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ »
( 60 :
غافر ) . .
ذلك ما يعلمه يعقوب من موقفه من ربه ، ومن تضرعه إليه ، وشكاته له ، إنه يعلم من اللّه ، أي مما للّه من صفات الكمال والجلال ما لا يعلمه أبناؤه . .
ولو علموا من اللّه ما علم لما كان منهم هذا اللوم له .
« يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ »
.
ولعلم يعقوب بربّه ، وما عنده من رحمة واسعة ، وفضل عظيم ، فإنه يدعو أبناءه إلى أن يؤمنوا باللّه إيمانه به ، ويعرفوه معرفته له ، ويطمعوا في فضله ورحمته طمعه فيهما ، وأن ينطلقوا هنا وهناك ليتحسسوا من يوسف وأخيه أي ليبحثوا عنهما ، ويتنسموا ريحهما ، وألا يدخل عليهم شئ من اليأس من روح اللّه
« إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ »
الذين لا يعرفون اللّه ،