- وفي قوله تعالى :
« أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ »
تقرير لحقيقة واقعة ، وهي أن أمر اللّه ، وهو انتقال الناس من دار الفناء إلى دار البقاء - قد أتى فعلا منذ كان للناس حياة على هذه الأرض . . فلم يستعجلون أمر اللّه فيهم ، وهو موجود بينهم ، عامل فيهم ؟ إن الموت يأتي كل يوم على أعداد كثيرة من الناس ، فمن لم يمت اليوم ، فهو سيموت غدا أو بعد غد فلم يستعجل الناس أمرا يطلبهم ؟
وفي قوله تعالى :
« سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ »
تنزيه للّه سبحانه وتعالى عن هذا الشرك الذي هم فيه ، وعن هؤلاء الشركاء الذين يعبدونهم من دونه . . ثم هو إلفات لهم إلى أن يخرجوا من هذا المنكر الذي هم فيه ، وقد أظلّهم يوم القيامة ، ونزل بهم أمر اللّه . . فإنهم إن لم يسرعوا للفرار مما يعبدون من دون اللّه ، أدركهم الموت ، ووقعوا في شباكه ولم يكن لهم ثمّة سبيل إلى النجاة . .
وقوله تعالى :
« يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ »
.
هو نذير بين يدي أمر اللّه الواقع ، ينذر هؤلاء المشركين ، أن يتخلصوا من شركهم ، وأن يخلصوا عبادتهم للّه وحده ، وأن يتقوه ، ويحذروا عقابه . .
فهو سبحانه - رحمة بعباده - قد بعث فيهم رسله ، وأمرهم أن ينذروا الناس بما أوحى إليهم من أمره ، الذي هو دعوة إلى الإيمان به ، والولاء له ، والبراءة من كل شريك . .
والرّوح ، هو أمر اللّه الذي تحمله الملائكة إلى رسل اللّه ، وهو كلماته المنزلة على الرسل ، وسميت روحا لأن فيها الحياة للناس ، فمن لم يأخذ حظّه منها ، فهو ميت ، وإن كان في عالم الأحياء . . وفي هذا يقول الحق جلّ وعلا :
« أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها »
( 122 : الأنعام ) .