تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 958

مساهمون:

ص٩٥٨
فالشمس والقمر آيتان من آيات اللّه الدالّة على قدرته ، وعلمه ، وحكمته . . وآثارهما في عالمنا الأرضي واضحة مشهودة . . عليهما تقوم حياة كل كائن في هذا الكوكب الأرضي ، وينتظم نظامه . . ولو أنهما أخذا من الأرض موضعا غير موضعهما ، لاختلّ نظام هذا الكوكب ، وفسد أمره ، وتحول إلى صورة أخرى غير صورته تلك . . لا يدرى أحد ماهيتها التي تكون عليها . . - وفي قوله تعالى :
« جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً »
إشارتان : أولاهما : أن الجعل غير الخلق . . إذ هو تدبير بعد تدبير الخلق . . فالخلق إيجاد لما هو غير موجود ، والجعل تقدير وتنظيم لهذا المخلوق الذي خلق ، وإقامته على الوجه الذي يحقق الحكمة من خلقه . . والخلق بالإضافة إلى اللّه - سبحانه - خلق متلبس بالحكمة ، قائم على التقدير . . فليس هناك انفصال بين خلق اللّه ، وبين الحكمة والتقدير لما خلق . . ولكن التعبير « بالجعل » الذي يكشف عن حكمة الخالق المودعة في المخلوق ، هو إلفات لأنظارنا إلى ما في هذا المخلوق من آثار رحمة اللّه وحكمته . . ومن جهة أخرى ، فإن التعبير بالجعل لا يكشف عن الحكمة من خلق المخلوق إلا من الجانب الذي يتّصل بنا ، ويؤثر في وجودنا . . ففيما كشف عنه قوله تعالى :
« هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ »
. . عرض مقصور على ما يتصل بنا من خلق الشمس والقمر ، أمّا ما لهما من شأن أو شؤون تتصل بالعوالم الأخرى ، وبالكون ونظامه ، فذلك ما ليس لنا علم به ، وإن وقع لنا به علم ، فهو علم يزيد في معارفنا ، ولا يتصل اتصالا مباشرا بمقومات حياتنا القائمة على ما تعطينا الشمس من ضوئها ، والقمر من نوره .