تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1258

مساهمون:

ص١٢٥٨
أهله يتمزّقون بين يديه شيعا ، ورأى أتباعه وأحبابه يعذّبون بسياط الظلم بين يديه ، ويموتون تحت وطأة هذا العذاب ، كما رآهم وهم يخرجون مهاجرين ، فارّين من وجه هذا البلاء ، مخلّفين وراءهم أهلهم وديارهم وأموالهم . . ثم رآهم في ميدان القتال يخرون صرعى ، يفدّونه بأنفسهم ، وبودّه لو فدّاهم بنفسه . . وهكذا كانت حياة النبىّ ساعة بساعة ، بل ولحظة لحظة ، مسيرة شاقّة على درب طويل من الآلام والمحن . . وبهذا استحقّ تلك المنزلة التي استوى بها على هامة الإنسانية كلها ، فكان سيد خلق اللّه ، وخاتم رسل اللّه ، وإمام أنبياء اللّه ! ! وعلى هذا ، فإنّ لنا أن نفهم قوله تعالى :
« وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ »
على أن امرأة العزيز قد همّت به ، وأنه - عليه السلام - همّ بها وكاد الأمر يقع ، لولا أن تداركه رحمة من ربّه ، فأقام هذا السبب المادىّ حائلا دون وقوع الفاحشة . . وفي هذا تتجلّى رحمة اللّه بأوليائه ، ورعايته لهم ! ومن جهة أخرى ، فإن رسل اللّه - صلوات اللّه وسلامه عليهم - ليسوا من عالم الملائكة ، وإنما هم بشر ، تتحرك في كيانهم نوازع الإنسان وشهواته ، وأنّهم يغالبون هذه النوازع ، ويمسكون زمام تلك الشهوات ، ولكن إلى مدى ، هو غاية ما يبلغه احتمال البشر . . حتى إذا كان النبىّ من أنبياء اللّه أو الرسول من رسله في مواجهة تجربة كهذه التجربة ، التي استنفد فيها - كإنسان وكنبىّ معا - كلّ ما لديه من صبر واحتمال ، بشرىّ - جاءت أمداد اللّه ، لتمد النبىّ في هذه المعركة التي لا بد أن يكسبها ، ويكتب له النصر فيها ، وذلك لحساب النبوّة والرسالة ، ولحساب النبىّ كنبىّ والرسول كرسول . . تماما كما جاءت أمداد السّماء لتشارك في معركة بدر ، ولتقوم إلى جانب الجهد الإنسانىّ ، في كسب أول معركة للإسلام ، تلك المعركة التي كان لا بد له أن يكسبها ! !