قوله تعالى :
« أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ »
.
قرئ أفمن أسس بنيانه « ببناء الفعل للمجهول » ، كما قرئ
« أُسِّسَ »
في الموضعين ، جمع أسّ ، بمعنى الأصل والأساس . .
والآية تعرض المسجدين ، مسجد قباء ، ومسجد الضرار ، في وضع يواجه فيه أحدهما الآخر . . فيكشف ذلك عن مدى ما بينهما من تفاوت . . هذا عذب فرات سائغ شرابه ، وهذا ملح أجاج . . هذا طيب ، أطيب الطيب ، وهذا خبيث ، أخبث الخبث . .
والضدّ إذا قرن بضدّه ، زاد كل منهما في الصفة الغالبة عليه زيادة لا ترى إلا حيث يتقابل مع ضده . . فيزداد الحسن حسنا وروعة ، ويزداد القبيح شناعة وقبحا . . وبضدها تتميز الأشياء - كما يقولون ! - وفي قوله تعالى :
« فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ »
تصوير للعاقبة التي ينتهى إليها هذا المسجد - مسجد الضرار - بأهله الذين بنوه ، وأنه إذ بنوه على ضلال ونفاق وزيف ، فهو بناء على خواء . . على شفا جرف هار ، وأنه إذ ينهار فسينهار بهم في نار جهنم ، فهم بهذا قد ظلموا أنفسهم :
« وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ »
.
وقوله تعالى :
« لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ »
.
نفى القرآن في هذه الآية عن مسجد الضرار ، كلّ ما تتسم به المساجد ، حتى اسمه ، فلم يعد مسجدا بعد أن فضحه الإسلام ، وفضح أهله ، وكشف عن