تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 599

مساهمون:

ص٥٩٩
غير نظرة من جاءوا بعدهم ، والذين رأوا فيما كان للأولين من علوم ومعارف ، أنها أوهام وخيالات ، لا تثبت لتجربة ، ولا تستقيم على منطق . وقد وقع في تقديرهم الخاطئ أن اللّه سبحانه إذا خاطبهم بكلماته ، جاءت هذه الكلمات على غير الكلام الذي ألفوه ، حتى يكون كلام اللّه شيئا يخالف منطق البشر ! ولو فكروا قليلا في هذا المنطق السقيم ، لعرفوا أن أبلغ الخطاب ما جاء مطابقا لمقتضى الحال ، وأن من أولى مقتضيات الحال في مخاطبة الإنسان ، أن يجئ الكلام على مستوى فهمه ومدركاته ، وعلى حدود تصوراته وتخيلاته ، وقبل هذا كله أن يكون باللسان الذي يحسن الفهم والإفهام به . ولو أنهم فكروا قليلا في هذا الكلام الذي خاطبهم اللّه به ، لوجدوا أنه وإن صيغ من لغتهم ، ونظم من كلماتهم ، فإنه ينفرد وحده من بين كل ما نطقوا به من كلام ، وما تحدثوا به من لغة ، وأنه - وهو كلام ، وكلام معروف لهم وجهه ، وجار على ألسنتهم التعامل به - هو معجز مفحم ، يتحدّى على الزمن كلّه ، أرباب البلاغة ، وسادة البيان أن يأتوا بسورة من مثله . . وقد نازلهم القرآن في هذا الميدان ، ودعاهم مرة بعد مرة ، أن يلقوه على هذا الطريق ، وأن يجيئوا بسورة أو بعض سورة من تلك الأساطير التي يقولون إنها مادة هذا الكلام ، ونظام عقده ، وقد ردّ اللّه تعالى عليهم بقوله :
« أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ »
( 33 - 34 : الطور ) . وقد خرسوا ، وخرس معهم كل بليغ منطبق إلى يوم القيامة ! .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 599 | عبد الكريم الخطيب