تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
ولم هذا الخروج الذي جاء عن عمد ، على غير المألوف من النظم القرآني ؟ والجواب : أولا : أن هذه الآيات تضبط حالا من أحوال الناس ، تقع على صورة غير مألوفة لما تجرى عليه حياتهم ، في الغالب الأعمّ منها . . فالناس أكثر ما يموتون ، يموتون وهم بين أهليهم ، وذوى قرابتهم . . حيث يجد من يحضره الموت منهم ، الوجوه التي ألفها ، وعاش معها ، وأودعها سرّه وما ملكت يمينه . . فلا يجد - والحال هذه - من الوحشة للموت ، أو الفزع منه ، والخوف الكارب من الضياع له ، ولماله ومتاعه الذي بين يديه ، ما يجده ذلك الذي يموت غريبا ، في طريق سفر ، أو دار غربة . . ومن هنا جاءت كلمات الآية متزاحمة ، متراكبة ، أشبه بتلك الحال القلقة المضطربة ، المستولية على هذا الغريب الذي يحضره الموت ، وفي صدره كثير من الأسرار ، يريد أن يفضى بها إلى أهله ، ويكشف مستورها لهم . هذه واحدة ! وثانيا : الذين حضروا هذا الميت الغريب ، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة من الحياة ، قد شهدوا منه هذا الاضطراب المستولى عليه ، وتلك الوحشة التي تمسك لسانه ، وتردّ الأسرار التي تضطرب في صدره . . ثم إذ هم يطلّون عليه بنظرات حزينة ، مواسية ، يرى أنهم أهل لأن يفضى لهم ببعض ما عنده . . إذ كان ما لا بد أن يكون . . وهنا شدّ وجذب ، وأخذ وعطاء ، وخواطر متناثرة ، وكلمات حذرة قلقة ، ملفّفة في دخان من الريبة والشك ، وأسرار تمشى على استحياء ، يعرّف بعضها ويعرض عن يعض . . ومن هنا أمسك النظم القرآني بهذه المشاعر المختلطة المضطربة ، وعرضها