تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
وقوله تعالى :
« وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ »
هو كشف لحقيقة هؤلاء الكافرين ، وما في أيديهم من مفتريات وأباطيل . . فإن أكثر هؤلاء الضالين لا يعقلون ، لأنهم لو عقلوا لما حملوا في نفوسهم هذا التوقير لتلك الأباطيل ، ولرأوا أنهم قد أذلّوا أنفسهم ، واسترخصوا عقولهم ، فأعطوا ولاءهم لتلك الحيوانات ، وجعلوا لها سلطانا عليهم ، لا ينازعونها فيه ، ولا يخرجون عن حدوده معها . وقوله تعالى :
« وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا »
. . هو تسفيه لأحلام هؤلاء الضالين . . فقد أطبق عليهم الجهل ، واشتمل عليهم السّفه والضلال . فليس مصيبة الإنسان في أن يضلّ عن جهل ، أو يتعثّر من عشى أو عمى ، ولكن المصيبة كلها في أن ينبّه من ضلاله ثم لا ينتبه ، ويقاد من يده فيأبى أن يتبع قائده . . إن ذلك هو الضلال المبين ، والتّيه الذي لا عودة منه ، ولا أمل في نجاة وراءه . فهؤلاء الضالون إذا دعاهم داعى الحق إلى أن يردّوا من شرودهم ، وإلى أن يعودوا إلى كتاب اللّه ، وما تحمل آياته البينات من هدى ونور ، وإلى رسول اللّه ، وما يحمل بين يديه وعلى شفتيه من أقباس الحق وأضوائه - إذا دعوا إلى هذا الهدى ، لوّوا رؤوسهم ، ولووا وجوههم ، وقالوا ؛ « حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا » أي أن هذا الذي نحن فيه هو الخير لنا ، والسلامة لأنفسنا ولأهلينا . . إننا نحيا حياة آبائنا ، ونسعى سعيهم ، ونقفو آثارهم . . إننا - والحال كذلك - نسير على طريق معلوم ، مأنوس بخطو آبائنا وأجدادنا ، فكيف ندعى إلى السّير في طريق لم يسلكه أحد قبلنا ؟ وكيف نغامر هذه المغامرة بالدخول في تلك التجربة الجديدة ، التي لا ندري ما وراءها ؟ . وقد ردّ القرآن الكريم على هذا السفه ، وهذا الجمود الغبيّ ، بما يفحم ويخرس . « أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ؟ » . . أفهذا منطق