تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
1 -
« يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ ، لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ »
. فأول ما ينظر فيه هذا الخليفة ، هو أن ينظر إلى نفسه ، وأن يخرج من عالم الحيوان العاري ، إلى هذا الإنسان الذي ينبغي أن يبدأ بستر عورته أولا ، ثم يتجمل بما يقدر عليه مما بين يديه ، من هذا الخير الكثير الذي بثّه اللّه في الأرض . . ثانيا . وإذن فعلى الإنسان أن ينسج له من خيوط هذه الموجودات المبثوثة في الأرض ، حياة غير حياة الحيوان ، وأن يصنع بعقله وبيده وجودا كريما ، وبهذا يحق له أن يجلس على كرسي الخلافة ، ويمسك بيده ، زمام الكائنات التي تعيش معه . والريش هو الزينة ، وكذلك الرياش ، وهو شئ إضافى ، فوق الحاجة الضرورية ، ولهذا جاء بعد اللباس الساتر للعورة . . فهو مأخوذ من الريش الذي يكسو الطائر ويزينه . ثم بعد أن يأخذ الإنسان لجسده ما يستره ويجمّله ، عليه أن يحصّل لكيانه الداخلي ، من المشاعر والأحاسيس والوجدانات والمدركات - ما يستره ويجمّله ، وذلك هو لباس التقوى ، وهو خير لباس يتزيا به الإنسان ، ويتجمل . . وفي قوله تعالى :
« وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ »
إشارة إلى أن هذا اللباس إنما هو مما ينسجه الإنسان من ذات نفسه ، إذ لا وجود له في العالم الخارجي ، ولهذا لم يعطفه اللّه سبحانه وتعالى على قوله :
« أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ »
حيث مادة هذا اللباس هي مما يراه الإنسان ويلمسه بحواسه في النبات أو الحيوان ، على حين أن مادة التقوى شئ مطوى في ضمير الإنسان ، مدسوس في كيانه .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 385 | عبد الكريم الخطيب